المخلوق أوّلا صفة العلم ثمّ خلق توجّهه نحو المعلوم ثمّ خلق تعلّقها به ثمّ جعل ذلك المعلوم منكشفا له ثمّ خلق الانكشاف فيه بعد خلق صفة العلم بمجرّد جري العادة فعلم أن لا مدخل للعلم في الانكشاف وكذلك خلق فيه أوّلا صفة السّمع ثمّ خلق الإصغاء والتّوجّه إلى المسموع ثمّ خلق السّماع ثمّ خلق إدراك المسموع وكذلك خلق فيه البصر أوّلا ثمّ تقليب الحدقة والتّوجّه نحو المرئيّ ثمّ الرّؤية ثمّ إدراك المرئيّ وعلى هذا القياس سائر الصّفات والسّميع والبصير إنّما هو من يكون مبدأ سماعه ورؤيته هاتين الصّفتين ، ومن ليس كذلك فليس بسميع ولا بصير . فتحقّق أنّ صفات المخلوقين جمادات كذواتهم . فالمقصود من آخر الكلام نفي الصّفات عنهم رأسا لا أنّ لهم صفات . وتلك الصّفات ثابتة له سبحانه حتّى يكون جمعا بين التّنزيه والتّشبيه بل تمام الآية الكريمة لإثبات التّنزيه ونفي المماثلة رأسا .
والعلم الأوّل ، أعني إثبات صفات هؤلاء للحقّ سبحانه واعتقاد ذواتهم جمادا محضا وزعمها في ظهور هذه الصّفات منهم مثل الدّنّ والكوز في ظهور الماء منهما من العلوم المناسبة لمقام الولاية . والعلم الثّاني ، أعني وجدان صفات هؤلاء مثل الجمادات واعتقاداتهم لا شعور لهم كالأموات كما قال اللّه تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 1 » من العلوم المناسبة لمقام الشّهادة . ومن هنا أيضا يعلم التّفاوت بين هذين المقامين . القليل يدلّ على الكثير والقطرة تنبئ عن الغدير ( ع ) وعام الرّخص يعلم من ربيع *
وكذلك يجد أرباب هذا المقام العالي أفعال المخلوقات كالميّت والجماد لا أنّهم ينسبون أفعالهم إلى الحقّ سبحانه ويقولون إنّ فاعل هذه الأفعال هو اللّه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا مثلا إذا حرّك شخص حجرا لا يقال إنّ هذا الشّخص متحرّك بل هو موجد للحركة في الحجر والمتحرّك إنّما هو الحجر وكما أنّ الحجر جماد محض كذلك حركته جماد صرف فإن هلك بتلك الحركة فرضا شخص لا يقال إنّه قتله حجر بل يقال قتله ذلك الشّخص الّذي حرّك الحجر . وقول علماء الشّريعة شكر اللّه تعالى سعيهم ، موافق لهذا العلم فإنّهم يقولون : إنّ مفعول المخلوقات مصنوع الحقّ سبحانه مع وجود صدور الأفعال عنهم بالإرادة والاختيار ولا مدخل لإفعالهم في مصنوعيّته وأفعالهم عبارة عن حركات شتّى من غير أن يكون لها تأثير في مجعوليّة المعمول ( فان قيل ) فعلى هذا يكون جعل افعالهم مناطا للثّواب والعقاب غير معقول ويكون كتكليف حجر بأمر وترتيب ذمّ ومدح على فعله ( قلت ) فرّق بين الحجر والمكلّفين فانّ مناط التّكليف القدرة والإرادة والحجر لا قدرة فيه ولا إرادة بخلاف المكلّفين فانّ فيهم إرادة ولكن لمّا كانت ارادتهم أيضا مخلوقة للحقّ سبحانه من غير تأثير لها في حصول المراد ، كانت تلك الإرادة أيضا كالميّت وفائدتها إنّما هي كون المراد مخلوقا بعد تحقّقها بطريق جري العادة . ولو قيل إنّ قدرة المخلوق مؤثّرة ولو في الجملة كما ذهب إليه علماء ما وراء النّهر . فذلك التّأثير أيضا مخلوق فيها كما هي مخلوقة
هامش
( 1 ) الآية : 30 من سورة الزمر .