فماذا يجد هؤلاء من كمالات الشّيخين وكلا هذين الشّيخين معدودان في عداد الأنبياء في العظمة وجلالة القدر ومحفوفان بفضائل الأنبياء عليهم السّلام قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : " لو كان « 1 » بعدي نبيّ لكان عمر " . وذكر الإمام الغزاليّ أنّ عبد اللّه بن عمر قال في أيّام مصيبة الفاروق في محضر من الصّحابة رضوان اللّه عليهم مات تسعة أعشار العلم ولمّا أحسّ من بعض النّاس توقّفا في فهم معنى هذا الكلام قال : المراد بالعلم العلم باللّه لا علم الحيض والنّفاس وماذا يقال في الصّدّيق الّذي جميع حسنات عمر حسنته الواحدة كما أخبر به المخبر الصّادق ويحسّ أنّ انحطاط عمر الفاروق من الصّدّيق أكثر وأزيد من انحطاط الصّدّيق من النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فقس على هذا انحطاط الباقين من الصّدّيق .
والشّيخان لم يفارقا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الموت أيضا وسيكون حشرهما أيضا معه عليه الصّلاة والسّلام كما ورد ذلك فتكون الأفضليّة بواسطة الأقربيّة لهما وماذا يقول هذا الحقير قليل البضاعة من كمالاتهم وماذا يبيّن من فضائلهم وأين للذّرّة قدرة التّكلّم من الشّمس وأين للقطرة مجال التّحدّث من بحر عمّان والأولياء المرجوعون لدعوة الخلق المحتظّون من كلا طرفي الولاية والدّعوة بحظّ تامّ والعلماء المجتهدون من التّابعين وتبع التّابعين لمّا أدركوا كمالات الشّيخين بنور الكشف الصّحيح والفراسة الصّادقة والأخبار المتتابعة في الجملة ووجدوا نبذة من فضائلهما حكموا بأفضليّتهما بالضّرورة وأجمعوا على ذلك وما ظهر على خلاف هذا الإجماع من الكشف حملوه على عدم الصّحّة ولم يعتبروه كيف وقد صحّح في الصّدر الأوّل أفضليّتهما كما روى البخاريّ عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : كنّا في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا نعدل بأبي بكر أحدا ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نترك أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا نفاضل بينهم وفي رواية لأبي داود : كنّا نقول ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيّ : أفضل أمّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعده أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان رضي اللّه عنهم ومن قال إنّ الولاية أفضل من النّبوّة فهو من أرباب السّكر ومن الأولياء غير المرجوعين الّذين ليس لهم نصيب وافر من كمالات مقام النّبوّة ولعلّ نظركم وقع على ما حقّقه هذا الفقير في بعض رسائله من انّ النّبوّة أفضل من الولاية وان كانت ولاية النّبىّ والحقّ هو هذا فمن قال بخلاف ذلك فهو من جهالة كمالات مقام النّبوّة كما مرّ آنفا ومن المعلوم أنّ سلسلة النّقشبنديّة منتسبة من بين سلاسل سائر الأولياء إلى الصّدّيق رضي اللّه عنه فتكون نسبة الصّحو غالبة فيهم وتكون دعوتهم أتمّ وتظهر كمالات الصّدّيق لهم أكثر وأزيد وتكون نسبتهم فوق نسب سائر السّلاسل بالضّرورة فماذا يدرك غيرهم من كمالاتهم وماذا يحسّون من حقيقة معاملتهم ولا أقول إنّ جميع مشائخ النّقشبنديّة سواسية في هذه المعاملة كيف بل لو وجد من ألوف على هذه الصّفة
هامش
( 1 ) قوله لو كان بعدى نبي الخ . رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب وأبو يعلى والطبراني والبيهقي والحاكم وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن عقبة بن عامر رضى اللّه عنه والطبراني أيضا عن عصمة بن مالك رضى اللّه عنه ( القزانى رحمة اللّه عليه )