وقسم المقصود منه مجرّد الإعتقاد واليقين القلبيّ وذكر هذا القسم في علم الكلام بالتّفصيل على مقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية . ولا إمكان للنّجاة ولا مطمع لأحد فيها بدون اتّباع هؤلاء الأكابر فإن وقعت المخالفة لهم مقدار شعرة فالأمر في خطر أيّ خطر . وهذا الكلام قد بلغ من الصّحّة مرتبة اليقين بالكشف الصّحيح والإلهام الصّريح أيضا لا احتمال فيه للتّخلّف . فطوبى لمن وفّق لمتابعتهم وتشرّف بتقليدهم وويل لمن خالفهم واعتزلهم ورفض أصولهم وخرج من زمرتهم فضلّ وأضلّ وأنكر الرّؤية والشّفاعة وخفي عليه فضيلة الصّحبة وفضل الصّحابة وحرم محبّة أهل بيت الرّسول ومودّة أولاد البتول « 1 » فمنع من خير كثير نالها أهل السّنّة . واتّفقت الصّحابة على أنّ أفضلهم أبو بكر قال الإمام الشّافعيّ « 2 » رضي اللّه عنه - وهو أعلم بأحوال الصّحابة - : اضطرّ النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يجدوا تحت أديم السّماء خيرا من أبي بكر فولّوه رقابهم وهذا تصريح منه بأنّ الصّحابة متّفقون على أفضليّة الصّدّيق فيكون إجماعا على أفضليّته في الصّدر الأوّل فيكون قطعيّا لا يسوغ إنكاره . وأهل بيت الرّسول مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك قال بعض العارفين إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جعل أصحابه كالنّجوم « 3 » وبالنّجوم هم يهتدون . وشبّه أهل بيته بسفينة نوح إشارة إلى أنّ راكب السّفينة لا بدّ له من رعاية النّجوم ليأمن من الهلاك وبدون رعاية النّجوم النّجاة ممتنعة .
وممّا ينبغي أن يعلم : أنّ الإنكار على بعض إنكار على جميعهم ، فإنّهم في فضيلة صحبة خير البشر مشتركون ، وفضيلة الصّحبة فوق جميع الفضائل والكمالات ، ولهذا لم يبلغ أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين مرتبة أدنى من صحبه عليه الصّلاة والسّلام فلا تعدل بفضيلة الصّحبة شيئا كائنا ما كان ، فإنّ إيمانهم ببركة الصّحبة وشهود نزول الوحي صار شهوديّا . ولم يتّفق لأحد بعد الصّحابة هذه المرتبة من
هامش
( 1 ) يعني السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
( 2 ) أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي المطلبي القرشي إمام الأئمة مجدد القرن الثاني يجتمع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عبد مناف ، الإمام الأعظم والحبر المكرم أحد الأئمة المجتهدين الأعلام ركن الإسلام أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنتسب الشافعية ، ومذهبه ينحو إلى التوفيق بين مذهب أهل الحديث الذي سار عليه مالك ومذهب أهل الرأي الذي أخذ به أبو حنيفة ، ولد سنة 150 ه وتوفي بالقرافة الصغرى بمصر سنة 204 ه ، أول من دون علم أصول الفقه ، له الرسالة في أصول الفقه ، الأم في الفقه ، جماع العلم ، أفرد العلماء ترجمته بالتصنيف منها : مناقب الشافعي لا بن أبي حاتم والبيهقي والرازي ومنها معالي التأسبس للحافظ ابن حجر ، الشافعي حياته وعصره لأبي زهرة ، انظر : تاريخ بغداد : 2 / 56 ، طبقات الفقهاء للشيرازي : 60 ، طبقات الشافعية لا بن هداية : 185 ، صفة الصفوة : 1 / 482 ، طبقات الحنابلة : 1 / 280 ، المنهج الأحمد : 1 / 63 ، تهذيب التهذيب : 5 / 20 ، شذرات الذهب : 2 / 9 ، النجوم الزاهرة : 2 / 176 ، هدية العارفين : 2 / 9 ، الأعلام : 6 / 26 ، معجم المؤلفين : 3 / 116 ، برو كلمان :
3 / 292 ، تاريخ التراث العربي : 2 / 165 .
( 3 ) ( إشارة إلى ما هو المشهور على الألسنة من قول أصحابي كالنجوم الخ ) والحديث متكلم فيه وقد أخرج المسلم عن أبي موسى الأشعري بلفظ النجوم أمنة أهل السماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي بما يوعدون ا ه سند عفى عنه .