أعتمد إلّا على فضله وإحسانه ، كما هو شأن العارفين ؛ ولذلك كان صلى اللّه عليه وسلم إذا فرغ من صلاته يستغفر اللّه تعالى ثلاث مرات ، فإذا كان هو صلى اللّه عليه وسلم يستغفر بعد صلاته خوفا من التقصير فيها ، وقد جعلت قرة عينه فيها ، فكيف بسواه من أمثالنا ، وهكذا أشار العارفين : كلّما ازداد بصيرة ازداد معرفة بعيوب نفسه ، وكثر اتهامه لها ، وعدم الرضا عنها .
ولهذا قال الحسن البصري رضي الله عنه : لو صفت ركعتين بالإخلاص لكفتاني .
وقال عمر رضي الله عنه لحذيفة رضي الله عنه : هل أنا من المنافقين ؟
فقال : لست منهم ، ولا أبرئ أحدا بعد ذلك .
فإذا كان مثل عمر رضي الله عنه الذي شهد له صلى اللّه عليه وسلم بالجنة يتّهم نفسه بالنفاق ، فكيف بسواه .
ولذلك قال في الحكم العطائية : « تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب » « 1 » .
هامش
( 1 ) قال سيدي ابن عجيبة : التشوف إلى الشيء : الاهتمام به ، والتطلع له .
قلت : تشوفك أيها الإنسان إلى ما بطن فيك من العيوب كالحسد والكبر وحب الجاه والرياسة ، وهمّ الرزق وخوف الفقر ، وطلب الخصوصية وغير ذلك من العيوب ، والبحث عنها ، والسعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب ، كالاطلاع على أسرار العباد وما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة ، وكالاطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له ، لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك ، وحياة قلبك سبب في الحياة الدائمة والنعيم المقيم ، والاطلاع على الغيوب إنما هو فضول ، وقد يكون سببا في هلاك النفس كاتصافها بالكبر ورؤية المزية على الناس . وسيأتي للشيخ « من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه وسببا يجر الوبال إليه » .
اعلم أن العيوب ثلاثة : عيوب النفس ، وعيوب القلب ، وعيوب الروح .
فعيوب النفس : تعلقها بالشهوات الجسمانية كطيب المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن والمناكح وشبه ذلك .
وعيوب القلب : تعلقه بالشهوات القلبية كحب الجاه الرياسة والعز والكبر والحسد والحقد