الرّقيق في مسراه قطع العوالم حتى يتشرّف بالوصول إلى تلك المعالم :
فأول عالم يقطعه عالم الملك ؛ وهو ما يدرك بالبصر من الأجسام وغيرها ؛ وهو عالم النفس .
ثم عالم الملكوت ؛ وهو ما يدرك بالبصيرة ؛ وهو عالم القلب .
ثم عالم الجبروت ؛ وهو عالم الروح .
ثم عالم اللاهوت ؛ وهو عالم السر ، وعنده يذهب الاسم والرسم ، ولا يشهد هناك إلّا الأحد ، وهذا غاية الفناء ، ومنه يرجع العارف إلى البقاء ، ويصير مرشدا ومقتدى « 1 » ، وكل ذلك من آثار الذّكر والتشرّف بفوائده .
وما أحسن ما قيل :
ذكر الإله ألزم هديته لذكره * فيه القلوب تطيّب الأفواه
واجعل حلال تقاه إن أخا الحجى * يا صاح من كانت حلاه تقاه
ولتخلع النّعلين خلع محقّق * فلا عن الكونين في مسراه
ولتفن حتى عن فناء يدانه * عين البقاء فقد ذاك تراه
وإذا بدا لك فاعلم أنّك لست هو * كلا ولا أيضا تكون سواه
شيئان ما اتّحدا ولكن ها هنا * سر تضيق نطاقنا عن ما هو
يا سامعا ما قد أشرت له إلّا * قلب يفكر ما وعت أذناه
أزل الحجاب حجاب قلبك ينكشف * لك سر ما قد غاب عنك منا
إنّ الإله أجلّ ما متعرّف * من لم يراه قد استبان عماه
أنّى يغيب وليس يوجد غيره * لكن شديد ظهوره أخفاه
فيا أيّها المرشّح لهذه المطالب ، ويا أيّها الراغب في هذه المواهب ذكّ الأعمال
هامش
( 1 ) قلت : وأمّا السرّ فمن عالم الجبروت ، وسرّ السرّ من عالم اللاهوت ، وربما يطلقون السرّ ويريدون به سرّ السرّ ؛ وهو السرّ المطلق الساري في الأرواح الإنسانية ، وهو مكشوف عند الإكليل ، مخفي عند غيرهم ، وبه يظهر الفرق بين العارف والجاهل .