فلله درهما من عارفين بأساليب الكلام ، وما أمكنها من مرشدين أتيا بما يفهم الخواص ، وتقلبه العوام إذا الواقف مع الرسوم ، والمتحلي بظاهر العلوم ، ولا يمكنه أن يعبر عن الوصول بأكثر من ذلك .
والعارف المتمكن البالغ من فناه أقصى ما يمكن ، إذا تنزّل إلى عالم الفرق والآثار ، وأراد أن يعبر إلى ما وصل إليه مما تحير دونه الأفكار ، ولم نجد عبارة أحسن من عبارة هذا العارف ، ولا يتأتى له الإفصاح بأكثر من ذلك ؛ لحمياء هذه المراشف ؛ إذ ليس الحاصل المواصل الفاني من أهل الأذواق ، إلّا علم بأنه معدوم فان ، وإن مولاه الموجود الباقي بالاتصاف ، فجلّ الموجود الباقي أن يتصل بمعدوم فان ، أو يتّصل به ذلك .
وإلى هذا المعنى أشار المصنف رضي الله عنه حيث قال : ما بان عنه أحد من حيث العلم ؛ لأنه
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 3 ] ولا اتصل به أحد من حيث الذات ؛ إذ كيف
هامش
العبد إلى اللّه عن تحقيق العلم بوجوده ، والغيبة عن نفسه ، وعن كل ما سواه ، وإلا تكن كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسيّا ، فجل ربنا : أي تعالى وترفع أن يتصل به شيء للزوم تحيزه ، أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره وحصره ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .
واعلم أن هذا العلم باللّه يكون كسبيّا ، ثم لا يزال يغيب عن نفسه وحسه ، سكرة بعد سكرة ، وحيرة بعد حيرة ، حتى يصحو وينجلي عن ضباب الحس ، وسحاب الجهل وظلمة النفس ، فتشرق عليه شمس النهار ، وتنجلي عنه ظلمة الأغيار ، أي ليل وجودي صار مشرقا مضيئا بسبب شهود ذاتك ، وظلام ليل القطيعة سار في جل الناس ، الناس في جوف ظلمة الأكوان ، ونحن في ضوء شموس العرفان ، ثم لا يزال في تربية الشيخ وتحت حضانته ومدده ، سار إليه بقدر صدقه ، حتى يسلم له خصيم الغرق الظلماني ، وينقرد النوارني ، ويحس ذلك من نفسه ، فحينئذ يقول بلسان الحال : أقر الخصم فارتقع النزاع ، فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء ، وشرب من كل شيء ، وأخذ النصيب من كل شيء ، فيبقى وصوله إلى الواسطة شكرا وإحسانا :أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ[ لقمان : 14 ] .
وانظر : إيقاظ الهمم ( شرح الحكمة : 248 ) .