بحقيقة لا إله إلّا اللّه ، ويفني عن المال والجاه ، ويخرج عن حوله وقوته ، يظفر بكنز :
( لا حول ولا قوة إلّا باللّه ) ، فليس له في العبودية سهم ولا نصيب ، ولم يحم حول حمى هذا المقام ، ولم يشم له رائحة من بعيد ولا قريب .
فاجتهد أيّها الأخ في أن تخرج من قلبك السوى ، واهرب من الأكوان ، وباين النفس والهوى .
133 - من عرف أحدا لم يعرف الأحد ، ما بان عنه أحد ، ولا اتّصل به أحد ، ما بان عنه من حيث العلم ، ولا اتّصل به من حيث الذات .
إذ الطريق فصل ووصل ، فما دام السالك في الأكوان يشتغل قلبه بمعرفة كل أحد من المعارف والإخوان ، فهم بمعزل عن معرفة الأحد ، والدخول إلى مقام الإمكان ، ففارق العوائق والعلائق تدخل حضرة القلب ، وتتشرّف بحضرة الخالق ، ومع ذلك ما بان عنه أحد من حيث العلم ، ولا اتّصل به أحد من حيث الذات .
وقال في الحكم العطائية : وصولك إليه وصولك إلى العلم به ، وإلا فجلّ ربّنا أن يتّصل به شيء ، أو يتّصل هو بشيء « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ ابن عجيبة : قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات وألفاظ تداولوها بينهم تقريبا لفهم المعاني ، فمنها : السير ، والرحيل ، وذكر المنازل ، والمناهل ، والمقامات ، ومنها :
الرجوع ، والوقوف ، وكل ذلك كناية عن مجاهدة النفوس ومحاربتها ، وقطع العوائق والعلائق عنها ، أو الوقوف مع شيء منها ، وسيأتي للمؤلف : لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ، ومنها : الوصول ، التمكين ، والسكون ، والطمأنينة ، ومنها : المشاهدة ، والمكالمة ، والمجالسة ، والمساورة ، وغير ذلك ، وكل ذلك كناية عما أدركته أورواحهم ، وذاقته أسرارهم من عظمة الحق وجلاله ، وسيأتي تفسير شيء من ذلك في محله إن شاء اللّه .
ومعنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده ، فوصولك إليه هو شعورك بعدمك حتى يكون عدمك عندك ضروريّا ، وعلمك بوجوده كذلك ، وهذا الأمر كان حاصلا لك في نفس الأمر ، لكن لم تشعر .
فالزوال هو المعرفة : وهو معنى الوصول ، وسببها جولان الفكرة ولذلك أمره بها .
وقال شيخ شيوخنا سيدي علي : الناس كلهم يشاهدون ولا يعرفون .
وسمعت شيخنا يقول : الناس كلهم في البحر : أي في بحر الوحدة ، ولكن لا يشعرون ، فوصول