وسئل عن قوله تعالى :
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
[ آل عمران : 158 ] ، قال : بأعمالكم وأحوالكم .
فالشهيد يشاهد حاله فينظر به ، والميت يشاهد عمله فيقتله ويكربه ، فهذا بالقبول والرد مخوف ، فذاك بالرحمة والغفران مستبشر ومشرف .
هذا التفسير منه رضي الله عنه من التنزل الذي أشار إليه أول الكتاب بقوله :
والتنزل باق إلى يوم القيامة .
وحاصله أن المحشور إليه تعالى يعمله على قسمين : ميت ، وشهيد .
فالميت يحشر بعمله وهو ناظر إليه ، والشهيد قد بذل مهجته لمولاه ، وخرج عن كل محبة في اللّه ، قد غمره الحال ، وعمّه النوال ، فهو يحشر مشاهدا لجماله فيطربه ، والميت يحشر مشاهدا لعمله فيكربه ويتعب ، فهذا بالقبول والرد مخوف ؛ لنظره إلى عمله المخوف بكل وصف مزيف ، والشهيد لما تجرد وبذل الروح مما القبضة والعسجد فهو بالرحمة والغفران مستبشر ومشرف ، لما حلت عليه من العنايات ، وغمره من الفضل الذي لا يوصف .
وفي تفسير هذا إشارة إلى أن من نظر إلى عمله ، واعتمد عليه فهو ميت ، ومن رفع همته عن ذلك ولم يشهده ولم يسكن إلا إلى مولاه ، وأفنى ذاته وأوصافه وكل ما له في محبة اللّه فهو شهيد ؛ إذ الميت عند أهل المعرفة ميت القلب ، والشهيد هو الذي صحّ فناؤه عن السوى ، وتمّ له القرب من الرب .
فأخرج أيّها الأخ من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك ؛ لتكون لهذا الحق مجيبا ، ومن حضرته قريبا ، فتأخذ حينئذ عن مولاك ، وتبلغ عنهم ، وتمشي على الصراط المستقيم ، الذي لا نجاة إلا بالسلوك منه .
126 - قال تعالى : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
قال : للاستماع عنه والتبليغ عنه .
وقال اللّه أيضا :
صِراطِ اللَّهِ
: الدلالة عليه ، والتبرؤ من الحول والقوة .
الصراط المستقيم ، هو التحقق بمعنى قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ