وقال أهل المعرفة : لا تصير الأبدال أبدالا إلّا بأربعة : الصمت ، والعزلة ، والجوع ، والسهر .
وعمدة الأربعة وعمودها ومركز دائرتها العزلة والخمول ؛ إذ لا يحصل الصمت والجوع والسهر إلّا بالمجانبة ، والبعد عن الإخوان السوء ، وأهل المخالفات ، وملازمة العزلة والخمول في سائر الأوقات .
فالزم الخمول أيّها الأخ ، وافن عن صفاتك ؛ لعلّك تظفر بتحقق العلوم ، وينكشف لك عن ذلك .
124 - اضمحلال الرسوم وفناء العلوم لتحقق المعلوم .
فيه إشارة إلى مقام الغنى ، وغاية ما يصل إليه السالك من ارتشاف كئوس رحيق هذا المعنى أنه لا يزل في إقبال على مولاه ، وإعراض عمن سواه ، متدرعا حقيقة لا إله إلّا اللّه ، متمطيا بمطية محمد رسول اللّه ، حتى يغني عن نظرة الخلائق ، وتذهب العوائق والعلائق ، وتضمحل الآثار والرسوم ، وتنمحي الإدراكات والعلوم ؛ لتحقق العلوم الذي به يوجد كل معدوم ، وهو الحي القيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم .
فإذا ظهرت شمس سماء القلوب أفنت نجوم الرسوم والعلوم ، وذاب بها كل ما لا يذوب ، فانهض أيّها الأخ إلى هذا المقام بهمة علية ، وتأمّل ما أنعم به مولاك عليك ، وارجع إليه إذا لشكره قبل أن يبتليك ، ويسلط عليك من لا تقدر عليه من البلية ، سنته عزّ وجل استدعاء العبيد بسعة الأرزاق ، ودوام المعافاة ؛ ليرجعا إليه بنعمه ، وإن لم يرجعوا ابتلاهم بالبأساء والضراء ؛ لعلهم يتضرّعون ؛ لأن مراده عزّ وجل رجوع العبيد إليه طوعا أو كرها .
العبيد على قسمين : عبيد الرغبة ، وعبيد الرهبة ، فعبيد الرغبة يرجعون إلى
هامش
- تنبيه : هذه الأدوية التي ذكرنا إنما هي في حالة المرض وأما من تحقق شفاؤه وكمل فناؤه فهو عبد اللّه سواء أظهره أو أخفاه .
وفي هذا قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : من أحب الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء ، وعبد اللّه سواء عليه أظهره أم أخفاه انتهى .
وانظر : إيقاظ الهمم ( شرح الحكمة : 259 ) .