إليك ، ومن أوى إليك فقد أوى إلى ركن شديد ، فمن علم هذا النوع من العلم كيف لا يغني ، ومن فتح له هذا الباب من الفهم كيف يحتاج إلى سواه ، وكيف يقربه العناء .
قوله : ( والصمت نجاة ) : أي نجاة من الآفات ، إن كثيرا ما يهلك الإنسان من لسانه ، فإذا صمت سلم من آفاته .
وقد ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه : للسان عشرون آفة ، وفصّل ذلك غاية التفصيل في الإحياء ، ويدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « معاذ ألّا أدلك على ملاك ذلك كله ؟ قلت :
بلى يا رسول اللّه ، فقال : اكفف عليك هذا - وأشار إلى لسانه - فقال له معاذ رضي الله عنه : وإنّا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا يا رسول اللّه ؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس على مناخرهم - أو قال : على وجوههم - إلّا حصائد ألسنتهم « 1 » » ، ولذلك كانت النجاة في الصمت .
ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه لما قال له : « فيم النجاة يا رسول اللّه ؟
قال : احفظ عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك « 2 » » .
قوله : ( واليأس راحة ) لأن الآيس مستريح من تعلق القلب بما عند الناس ، قد جمع قلبه ، وقنع بما قسم له .
جاء شخص إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : أوصني وأوجز فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قمت في صلاتك فصلّ صلاة مودّع ، ولا تتكلّم بكلام تعذر منه غدا ، واجمع اليأس مما في أيدي الناس « 3 » » .
وقال شخص : يا رسول اللّه دلني علي عمل إذا عملته أحبّني اللّه وأحبّني الناس ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس « 4 » » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 11 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 428 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1314 ) .
( 2 ) رواه الترمذي ( 4 / 305 ) .
( 3 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1390 ) .
( 4 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1370 ) .