ولهذا المعنى أشار النووي : أفتاني قلبي عن ربي .
وقال أبو يزيد رضي الله عنه : أخذنا علمنا هذا عن الحي القيوم الذي لا يموت .
يشير إلى هذا أيضا .
وقال أحد العارفين : من صمت لسانه ونطق قلبه خفّ وزره ، ومن صمت قلبه ونطق لسانه نطق بالحكمة ، ومن صمت لسانه وصمت قلبه تجلّى له سره ، خاطبه ربه ؛ لأن الصمت على الإنسان محال ، فمتى صمت عن محادثة الخلق حادثه الحق .
فعليك أيّها الأخ بالهمّة العليّة ؛ لتحوز من هذه المراتب السنية ، واستغرق أوقاتك في الحضور يستغرق قلبك في المذكور ، فتظفر بالجنة العالية ، وتحوز السرور .
119 - مشاهد الحضور استغراق القلب في الذّكر .
لغلبة شهود المذكور علامة الحضور مع اللّه تعالى ، استغراق القلب في الذّكر لما يستولى عليه من غلبة شهود المذكور ، فإنه إذا غلب الشهود المذكور ذهب عن القلب السوى ، ويقطف من الهوى ، ولم يبق فيه إلّا المولى ، فيستغرق القلب حينئذ في ذكر مولاه ، ولا يشعر بأحد سواه ، وهذا غاية مراتب الذّكر ، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك بالتفصيل ، ومن ارتشف جرعة من كأس هذا المرام فقد سلك به أعلى مراتب السعادة ، وتمّ له النظام ، وعاش عيش الأولياء الكرام ، وتمتع بما يتمتع به أهل الجنة من أنواع الإكرام .
120 - عيش الأولياء في الدنيا عيش أهل الجنة ، أبدانهم تتمتع بأمره ، وأرواحهم تتنعم بشهوده ونصره .
أهل الجنة أرواحهم متنعمة بالمشاهدات « 1 » ، وأجسادهم مطهرة من دنس المخالفات ؛ إذ لهم الحضور الدائم ، وليس عليهم التكليف بلازم ، والأولياء في الدنيا يعيشون كذلك ، ويتنعمون بما تنعم به أولئك ؛ لأن أرواحهم قد تشرّفت بنعيم
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي الله عنه وعنّا به : المشاهدة هي إزالة الموانع عن الحقيقة المستعدة لقبول الحق ، وحقيقتها : استغناء النظر الصحيح بالبصيرة النافذة في تحصيل المطلوبات عن نصب الأدلة والبراهين ، وغايتها : رؤية الصديق عين خبر الصادق في صورة كونه اه .