وتم له ارتشاف كؤوس حمياه ، فإن نظر إلى مقام القرب استفزه السرور وأحياه ، وإذا نظر إلى المحبة عذبته اللوائج فاستعذب العذاب ، وتلذذ بحلواه .
92 - المقرب مسرور في قربه ، والمحب معذب في حبّه .
أشار رضي الله عنه إلى أن المشاهدة مختلفة ، فمنهم من يغلب عليه مشاهدة قربه من مولاه الذي هو عين عبوديته تجلي عليه الحق ، وتحقق بفقره وضعفه وعجزه وذلته ، فيغلب عليه السرور لما يشاهده من عظيم اللطف والحبور فإن من عرف نفسه ، وتحقق بأوصاف عبوديته تجلى عليه الحق ، وأمده بأوصاف ربوبيته فيبر العبد بذلك ، ويكاد يطير من الفرح ، وفي بداية هذا المقام تكلم من تكلم بالمشكلات ، وشطح فإذا تمكن ، ورجع إلى النهاية أعطى كل ذي حق حقه ، وبين وأرشد وأزال الغواية ، ومنهم من يغلب عليه شهود المحبة حتى يأخذه ذلك الشهود ، ويفقد لبه ، فيستولى عليه حينئذ بنيران الاشتياق ، وتضطرب بقلبه لواعج الاحتراق فلا يزال معذبا في حبه :
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه * عذبا فقد جهل المحبّة واعتدا
فإذا أردت أيّها الأخ أن يكون لك ذوق من أحد الشهود فعليك بالجد والاجتهاد لعلّك تظفر بقرة العين .
93 - أسس هذا البنيان « 1 » على الجدّ والاجتهاد وقطع المألوفات والاعتياد .
إذ الطريق عبودية ، والعبد لا يرفعه عند مولاه إلّا خدمته ، ولا يوصله إلى مراتب علاه إلّا انخفاضه ، وذاب فما لم ينخفض البنيان بالأساس لم يرتفع له في جانب العلو رأس ، وما لم تنزل الشجرة الكبيرة بعروقها في الأرض ، وتبالغ في ذلك ما تدر لها تمام الارتفاع ، ولا بلغت ما هنالك .
فلذلك قال سبحانه وتعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] ، فأشار في كلامه إلى أن مقام الإسراء العالي لا ينال إلّا بتمام الانخفاض ، والتخلّق
هامش
( 1 ) في نسخة : ( الشأن ) . والمقصود التصوف .