فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنعام : 91 ] .
فلا توجه مطايا همتك أيّها الأخ إلّا إليه ، ولا تجعل لك مقصدا ولا مطلبا إلّا الوصول إلى حضرته ، والانطراح بين يديه .
89 - همم العارفين لا تسمو لغير معروفهم .
فانهض يا أخي بعزم وهمة علية ، وإيّاك والالتفات إلى الأمور الدنيئة ، فوقفة كل واحد بحسب همته ، وقيمة كل شخص بحسب معرفته .
قال الإمام الغزالي رضي الله عنه : إذا دخل جماعة في بيت شخص ترى كل واحد ينظر فيما هو الغالب على قلبه ، وما استولى على فؤاده ولبه ، فالبنا ينظر إلى صناعة بنائه ، والنجار ينظر إلى حسن صناعة أخشابه وأبوابه ، والحداد ينظر إلى حسن صناعة الحديد فيه ، والتاجر ينظر إلى نفاسة متاعه ، وحسن بضاعته .
وطالب الجنة من الصالحين ، ويتذكر بذلك نعيم الجنان ، والعارف لا يسمو قلبه إلّا إلى معروفه ، ولا يشهد شيئا من تلك الأشياء التي شهدوها ، ويشتهر فيها مولاة ، ويستغرقه شهوده عن الالتفات إلى ما سواه .
كما قال صاحب الحكم العطائية : من عرف الحقّ شهده في كلّ شيء ، ومن فني به غاب عن كل شيء ، ومن أحبّه لم يؤثر عليه شيئا « 1 » .
هامش
( 1 ) قال صاحب إيقاظ الهمم : معرفة الحق هي شهود ربوبيته في مظاهر عبوديته ، أو تقول :
هي الغيبة عن الغيرية بشهود الأحدية ، أو تقول : هي الترقي من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ، فيكون جسمك مع الأشباح وروحك مع الأرواح .
الفناء : هو أن تبدوا لك العظمة ، فتنسيك كل شيء ، وتغيبك عن كل شيء ، سوى الواحد الذي :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] ، وليس معه شيء .
أو تقول : هو شهود حق بلا خلق ، كما أن البقاء هو شهود خلق بحق ، والمحبة أخذ الحق قلب من أحب من عباده ، فلا يكون له عن نفسه أخبار ، ولا مع غير محبوبه قرار ، وقيل غير ذلك ، فمن عرف الحق شهده في كل شيء ، ولم يرى معه شيئا ، لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ، ومن شهود عالم الملك إلى شهود فضاء الملكوت ، ومن فني به -