يصرفها ؟ فكأنها أجوبة عن الذين كانوا يسألون ولم يجيبوا بالغرض من الحقائق التي كانت قصده ، وكأنه بهذا إبان فخر أبي مدين ، وتفخيم أمره ، وأوضح عظيم مقامه ؛ كما قيل : تكلّموا تعرفوا .
واعلم أعزك اللّه أن له من الإستقامة ما يشهد له بالكرامة بأكبر الكرامات ، وكراماته لا تنحصر .
وما زالت مادته ظاهرة ؛ كشيخه سيدي أبي يعزى ، وسيدي عبد القادر .
ومن مناقبه : ما ذكره الإمام ابن بادس في شرحه للسينية التي سماها ب « النفحات القدسية » عن الشيخ الفاضل الإمام الزاهد أكبر تلامذته سيدي أبو محمد صالح .
قال : قامت الحرب بالمغرب في جزيرة الأندلس وغلبت الروم على المسلمين ، فأخذ الشيخ سيفه ، وخرج إلى الصحراء في نفر يسير ، وأنا معهم ، ثم جلس على كثيب من الرمل ، وإذا بين يديه خنازير من الروم قد ملأت البرية كثرة ، فوثب الشيخ وصار بينهم ، فاستل سيفه وعلا بها رؤوسها ، فيضرب الفارس فيصرعه وفرسه ، وما زال كذلك حتى صرع الكثير منهم ، وولّت الروم بين يديه هاربة ، ورجع .
فسألناه بعد أن رجع إلى حسّه ، فقال : هؤلاء الإفرنج أخزاهم اللّه تعالى ، فأرّخنا الوقت ، فإذا هو وقت النصر ، وجاءه المجاهدون بعد ذلك ، وأكبّوا على رجليه ، وقالوا له : يا سيدي لو لم تغثنا لهلكنا ، وأقسموا له أنه لو لم يكن بين الصفين لفنوهم الكفار ، ومن بقي أسروه ، وأن المسلمين أهل الحرب كانوا يشاهدونه يصرع الفارس وفرسه وهو كذلك .
فلما تّمت الحرب ، وانهزم المشركون لم يروه بعد ذلك ، وكان بينه وبين الموضع أكثر من مسيرة شهر .
قال أبو محمد صالح الدكالي : قدم أناس من المشرق فاشتهوا عنبا من المشرق في غير إبانة ، فقال لي الشيخ أبو مدين : يا صالح ! ادخل البستان وأتنا بعنب .
قلت : الساعة خرجت منه ولا شيء فيه ، قال : بلى فيه .
شرح الحكم الغوثية — صفحة 21
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢١