قال بعض الحكماء لبنيه : لا تعادوا أحدا وإن ظننتم أنه لا يضركم ولا تزهدوا في صداقة أحد وإن ظننتم أنه لا ينفعكم ، فإنكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدو ، ولا متى ترجون صداقة الصديق .
وقيل للمهلب : ما الحزم ؟ فقال : تجرع الغصص إلى أن تنال الفرص . ومن كلامهم ما تزاحمت الظنون على شيء مستور الا كشفته .
لما تقدم الحلاج إلى القتل قطعت يده اليمنى ، ثم اليسرى ، ثم رجله فخاف أن يصفر وجهه من نزف « 1 » الدم فأدنى يده المقطوعة من وجهه فلطخه بالدم ليخفي اصفراره .
وأنشد :
لم اسلم النفس للأسقام تبلغها * الا لعلمي بأنّ الوصل يحييها
نفس المحب على الآلام صابرة * لعل مسقمها يوما يداويها
فلما صلب إلى الجذع قال :
يا معين الضنى عليّ * أعني على الضنى « 2 »
ثم جعل يقول :
ما لي جفيت وكنت لا اجفى * ودلايل الهجران لا تخفى
وأراك تمزجني وتشربني * ولقد عهدتك شاربي صرفا
فلما بلغ به الحال أنشأ يقول :
لبيك يا عالما سري ونجوائي * لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل * ناجيت إياك أم ناجيت إيائي
حبي لمولاي أضناني وأسقمني * فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
يا ويح روحي من روحي ويا أسفي * عليّ منّي فانّي أصل بلوائي
هامش
( 1 ) النزف : السيلان .
( 2 ) الضنى : المرض .