« كنت في برّي بأمي وأبي ما أقوم بحظ النفس ، بل لتعظيم الشريعة ، فقالت لي في ليلة باردة شديدة البرد : اسقني يا أبا يزيد ، فثقل عليّ التحرك والقيام ، فتثاقلت فعرفت منه أن بري كان من حظ النفس لا بمحبة الأمر ، والاتّباع من حيث لم أشعر ، فقلت لنفسي حبط عملك وعرفت أن أعمالها كلها هكذا من حيث لم أشعر ، ودخلت في حكم قوله تعالى :
ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
[ التوبة : 38 ] ، هذه معاملاتهم ومحاسبتهم على أنفسهم ، فافهم ولا تزنهم بميزانك بإبطال » .
اعلم أيّدنا اللّه وإياك بروح منه أن كل علم إذا بسطته بالعبارة حسن وفهم معناه ، أو قارب وعذب فحواه عند السامع الفهيم إلا علم الأسرار ، فإنه إذا أخذته بالعبارة ربما سمح ونقل على الطباع الغليظة ، والأفهام غير السليمة بل ربما محته العقول الضعيفة ، والطباع المتعصّبة التي لم تتوفر لتصريف حقيقتها التي جعلها اللّه تعالى فيها من النظر والبحث ، ولهذا صاحب العلم المؤدّب كثيرا ما يكتم ولا يتكلم عنه إلا بضرب الأمثال ، والخطابات الشعريّة كما كانت عادة السلف رضي اللّه عنهم .
ورد في الخبر أنه صلى اللّه عليه وسلم قال :
« أوتروا يا أهل القرآن إن اللّه وتر يحب الوتر ، فقال أعرابي : ما تقول يا رسول اللّه ؟ قال : ليست لك ولا لأصحابك »
« 1 » رواه أبو داود عن ابن مسعود ، ورواه ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة مرسلا .
كان سيدنا علي رضي اللّه عنه يقول : إن بين جنبي علما لو قلته لخضبتم هذه من هذه .
وقال سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : لو ذكرت ما أعلم في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 148 ) بنحوه ، وابن ماجة ( 1 / 307 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 2 / 468 ) .