وبيان ذلك : إن من صادق العلم في ظنه كان نعته العلم في نفس الأمر ، وهذا هو نتيجة الإيمان بالأنبياء عليهم السلام وهذا الذوق .
قال صلى اللّه عليه وسلم لشخص من الصحابة حين سأله عن أي آية في القرآن أعظم ، فقال الرجل وأظن أنه أبي بن كعب : آية الكرسي ، فضرب صلى اللّه عليه وسلم على صدره وقال :
« ليهنّك العلم يا أبا المنذر »
« 1 » ، يعني : أصبت وصادفت حقيقة الأمر .
وكيف لا إذا كان الفجر عن درك الإدراك إدراك ؟ فكيف لا تكون الإصابة علما ، وما ظنك بالمصادفة ؟ .
قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : من صادق العلم في ظنّه كما في نفس الأمر ، فقد حصل له العلم في نفسه كما هو في نفس الأمر ، ولا يكون ذلك إلا بإعلام الحق ، وإعلام من أعلمه عند من يعتقد فيه أنّ اللّه تعالى وما عدا ذلك فلا علم بغيب أصلا انتهى كلامه .
أما ترى أن اللّه مدح من يؤمن بالغيب ويعمل بمقتضاه ، قال تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ البقرة : 3 ] ، فما أقاموها إلا من علمهم وتصديقهم بالغيب ، فالأمر قائم بالصادق ، والصديق صاحب عيان ، وصاحب إيمان ، وما وراء ذلك خسران وحرمان ، فافهم ؛ إن هذا فصل الخطاب لأولي الألباب ، فطوبى لهم وحسن مآب .
قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : من قعد مع هذه الطائفة ولا يصدقهم فيما قالوه ، يخاف عليه من سوء الخاتمة ، فإذا فهمت ما قرره رضي اللّه عنه علمت الأمر على ما هو عليه بإعلام صاحب أوسع الكشوفات ، والأذواق المحمدية ، وليهنّك العلم .
( فكل نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبي ، ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين ، وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود ، وهو قوله :
« كنت نبيّا وآدم
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 556 ) ، وأحمد ( 5 / 141 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 344 ) .