( فما يلزم الكامل أن يكون له تقدم في كل شيء ، وفي كل مرتبة ) ، بلى ولا يمكن أن يكون كذلك ؛ لأن كل تجلي إلهي يختص بعلوم ليس في الآخر ؛ لأنه لا تكرار في التجلي ، فبهذا الاعتبار كل شخص يختص بكمال شخصي ليس للآخر ، فالتفاضل بين الخلق من هذا الوجه ، عموم وخصوص من وجه ، فالكل فاضل مفضول ، فلا يقع التفضيل على الإطلاق أصلا . هذا مذهب أبي القاسم القسي ، صاحب خلع النعلين .
أما ترى صاحب علم واحد في فنه قد يكون أفضل من صاحب الفنون ، فهذا أفضل في جميعته ، وكلما قلناه في الملك والبشر ، ( وإنما نظر الرجال إلى التقدّم في رتبة العلم باللّه هنالك مطلبهم ) .
أما ترى قوله صلى اللّه عليه وسلم في التأبير :
« أنتم أعلم بأمور دنياكم « 1 » »
. وقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إذا أمرتكم بشيء من أمر دنياكم فخذوه »
. ( وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ) ، قال رضي اللّه عنه : « إني قط ما طلبت من اللّه تحقيق حادث الأكوان ، إلا أن يعلمني اللّه به ابتداء ، لا عن طلب » .
( فتحقق ما ذكرناه ) ، وهو أن أخذ العلم باللّه لا يكون إلا ممن وراء الخاتم ، وما وراء اللّه المنتهى ؛ لأن الأمر مختوم ، والأخذ منه مختوم ،
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[ الحجر : 21 ] ، والمؤمن بهم ينبغي أن يحقق ما قاله ، ويعامل الموطن بما عامله به صاحب الكشف ، وإلا ليس بمؤمن حقّا ؛ لأن لكل حقّ حقيقة ، وليست الحقيقة التي لكل حقّ إلا إنزاله منزلة المشهود المدرك بالبصر ، حيث لو كشف الغطاء ما ازداد يقينا في العلم .
أما ترى في الحديث حيث قال صلى اللّه عليه وسلم :
« إن لكل حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟
فقال الرجل : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا « 2 » »
.
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 1 / 270 ) .