قال صلى اللّه عليه وسلم مشيرا إلى هذا المقام :
« لو دلي أحدكم دلوه لهبط على اللّه »
« 1 » .
قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[ الزخرف : 84 ] وكيف يدرك العقل المعقول هذا المطلق المجهول ، بل أن اللّه قد أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة ، ولو سئل اللوح ما فيك ؟ أو ما خطّ فيك القلم ؟ ما علم .
قال الصدّيق الأكبر رضي اللّه عنه : والعجز عن درك الإدراك إدراك .
وقال الشيخ رضي اللّه عنه في بعض قصائده الإلهيّة وهو يناجي ربه تعالى :
ولست أدرك من شيء * وكيف أدركه وأنتم فيه
فسمّي هذا المذكور : أي آدم ، فإنه ذكر ولم يكن شيئا مذكورا ، أو الجلاء ، أو الكون الجامع ، وكلها ترجع إلى معنى واحد كما قيل :
عباراتنا شتّى وحسنك * وكلّ إلى ذاك الجمال يشير
اعلم أنه لم يكن في الأزل شيء يقدر به ما يكون في الأبد إلا الهو ، فأراد الهو أن يرى نفسه رؤية كماليّة أسمائيّة كانت لهو ، وتزول في حقه حكم الهو ، فنظر في الأعيان الثابتة فلم ير عينا يعطي النظر إليها هذه الرتبة الإنابيّة إلا عين الإنسان الكامل ، فإنه كان إنسان العين ، وعين الإنسان فقدرها وقابلها به ، فوفت له الحقائق إلا حقيقة واحدة نقصت عنه وهو أن يكون وجوده لنفسه ، فتطابقت الصورتان من جميع الوجوه ، وقد كان قدر تلك العين على كل ما أوجده قبل وجود الإنسان من عقل ونفس وهباء وجسم وفلك ، وملك وعنصر ومولد ، فلم يعط شيء منها رتبة كماليّة أسمائيّة إلا الوجود الإنساني ، فأعطاه مرتبة العقل الأول ، وعلّمه ما لم يعلم .
العقل الأول من الحقيقة الحقيّة التي هي الوجه الخاص له من جانب الحق ، وبها زاد على جميع المخلوقات ، فلم تظهر الصور الحقيّة إلا به ، فالعقل مع عظمته جزء من
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في تفسيره ( 27 / 216 ) .