حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته فقد بدا لهم استحالة التّشبيه والتّجسيم في حقّ اللّه ، ومن ذلك ذكر " الوجه " ، فقد تردّدوا بين المنزلتين ؛ منزلة الأخذ بالظّاهر ، ومنزلة التّأويل « 1 » . أمّا في المنزلة الثّانية فالوجه مؤوّل بالذّات ، أو بالاحتكام إلى الدّلالة الكلّيّة في ثني السياق ، ومن ذلك :
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
« 2 » ، و
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
« 3 » ، و
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) « 4 » ، والمراد من الوجه ههنا إخلاص النّيّة للّه « 5 » .
ومن ذلك أيضا اليد ، كما في قوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
« 6 » ، و
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 7 » ، و
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
« 8 » ، وهي مؤوّلة بالقدرة ، ومن نحو ما تقدّم صفة القرب والفوقيّة والمجيء والرّضا والغضب والعجب « 9 » ، والذي يبدو أنّ تلكم الصّفات ما جاءت إلّا في سياق لغويّ كريم يجري مجرى لغة العرب في مخاطباتها ، وكلّ صفة تستحيل حقيقتها على اللّه تفسّر بلازمها « 10 » ، وعند هذا يظهر المتدبّر برويّة ولطف نظر متجافيا عن مذهب الشّطط والتكلّف في تغييب التّأويل أو استحضاره ، بل يقصد إلى الغرض المتعيّن من تلكم الصّفات كمن ينظر إلى المعنى من ستر رقيق ، فيعوّل على المعنى الكلّيّ السّياقيّ ؛ ذلك أنّ جميع الأغراض النّفسانيّة : أعني الرّحمة والفرح والسّرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء لها أوائل ولها غايات ، ومن ذلك الغضب ، فإنّ أوّله غليان دم القلب ، وغايته إرادة إيصال الضّرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حقّ اللّه لا يحمل على أوّله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غرضه الذي هو إرادة الإضرار ، وكذلك الحياء ، له أوّل ، وهو انكسار يحصل في النّفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حقّ اللّه على ترك الفعل لا على انكسار النّفس « 11 » .
هامش
( 1 ) انظر : الزركشي ، البرهان ، 2 / 80 .
( 2 ) ( الكهف الآية ، 28 ) .
( 3 ) ( الإنسان الآية ، 9 ) .
( 4 ) ( الليل الآية ، 20 ) .
( 5 ) انظر : السيوطي ، الإتقان ، 698 ، وانظر حديث الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين عن هذا المبحث ، 1 / 117 - 137 .
( 6 ) ( ص الآية ، 75 ) .
( 7 ) ( الفتح الآية ، 10 ) .
( 8 ) ( يس ، الآية 71 ) .
( 9 ) انظر : السيوطي ، الإتقان ، 688 .
( 10 ) انظر : السيوطي ، الإتقان ، 692 .
( 11 ) انظر : السيوطي ، الإتقان ، 692 .