فإن قلت : قد ورد : " لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به " « 1 » ، ولا شكّ أنّ موسى - عليه الصّلاة والسّلام - ربّما هو أحبّ بعض من تقرّب بالنّوافل « 2 » حتّى أحبّه اللّه تعالى ، فما الجواب عن كون الحقّ لم يكن بصر موسى ؟ فالجواب أنّه - تعالى - لم يقل : كنت بصره الذي يبصرني به ، وإنّما قال : الذي يبصر « 3 » به ، أي المبصرات العاديّة « 4 » المرادة عند الإطلاق ، ونحن ما نفينا إلّا « 5 » القوّة التي يبصر بها العبد ربّه سبحانه وتعالى ، فليتأمّل .
فإن قلت : اندكاك الجبل يؤذن بحياة الجبل ؛ لأنّه لولا حياته ومعرفته بعظمة اللّه - تعالى - ما اندكّ ، وقد نفى بعضهم حياة الجماد ، فالجواب أنّ اللّه - تعالى - قد قال :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
« 6 » ، ومعلوم أنّه لا يوصف بالخشية إلّا حيّ درّاك ، وقد أخذ اللّه - تعالى - بأبصار غالب الجنّ والإنس عن إدراك حياة الجماد « 7 » إلّا من شاء اللّه - تعالى - من الأولياء ؛ فإنّهم لا يحتاجون إلى دليل سمعيّ في ذلك ؛ لأنّ اللّه - تعالى - قد كشف لهم عن حياة كثير من الجماد « 8 » ، وأسمعهم تسبيحه ونطقه ، فعلم أنّه لولا معرفة الجبل بعظمة اللّه - عزّ وجلّ - « 9 » ما اندكّ ، فإنّ الذّوات لا تؤثّر في أمثالها ، وإنّما يؤثّر فيها معرفتها بعظمة اللّه - عزّ وجلّ - من تجلّى لها لا غير « 10 » ، فالعلم بالعظمة « 11 » هو الذي أثّر لا الذّات .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) " ز " : العبارة : " هو أحب لشيء بعض من تقرب " ، وهي ركيكة ، " ك " : " هو أفضل من تقرب " ، وقد أشار الناسخ إلى عبارة الأصل ، ولكنه غير فيها .
( 3 ) " د " ، " ك " ، " ز " : قوله : " وإنما قال : الذي يبصر " ساقط ، وبهذا لا يستقيم المعنى .
( 4 ) " د " ، " ك " ، " ز " : العبارة : " أي المبصرات العادية المنصرف إليها " .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " إلا " ساقطة .
( 6 ) ( البقرة ، الآية 74 ) ، وليس النقل صحيحا إطلاقا .
( 7 ) " ك " ، " ز " : " حياة كثير من الجماد " .
( 8 ) " ك " ، " ز " : " عن حياة الجماد " .
( 9 ) " ك " : " سبحانه وتعالى " ، " ز " : " تعالى " .
( 10 ) " د " ، " ك " : " بعظمة من تجلى لا غير " .
( 11 ) " د " : " بعظمة اللّه عز وجل " .