مع أنّه واقع في دار الدّنيا ، وأثبته قوم ، والذي أثبته هو المحقّ « 1 » ، فإنّ من قال به لم يقيّده بوقوعه في الآخرة ، فيحمل الفرق بوقوع العقوبة في دار الدنيا بوجه من الوجوه ، فينبغي حمل « 2 » من قال بإنفاذه على الدّنيا « 3 » بحصول الآلام النّفسيّة والحسّيّة « 4 » فيها ، وذلك عين إنفاذ الوعيد في حقّهم ؛ لأنّه لا بدّ لكلّ إنسان « 5 » من وقوع ما يؤلمه ، فصحّ قوله المعتزلة في مسألة إيلام البريء والطّفل ، فإنّ الأشعريّ يجوّز وقوع ذلك على اللّه تعالى ، وما كلّ جائز واقع « 6 » .
وكان الشّيخ محيي الدّين « 7 » يقول : وكلّ ما احتجّ به الأشعريّة على المعتزلة ليس هو بملزم ، فإنّ القائلين بإنفاذ الوعيد مصيبون ، ولكن حيث يعيّنه الحقّ - تعالى - في الدّنيا أو في الآخرة « 8 » ، فإذا أنفذه في الدّنيا بمرض ، أو ألم نفسيّ ، أو حسيّ ، كان ذلك عقوبة ، وكان سترا له عن عذاب الآخرة ، انتهى « 9 » .
إذا علمت ذلك فاحمل كلام من قال بإنفاذ الوعيد ، ولا بدّ ، على هذه الأمراض والآلام التي لا يسلم منها أحد ، وأنّها تكفي في إنفاذ عقوبة الذّنب ، فإنّ اللّه - تعالى - قد يعفو عن صاحبها ما عدا العصابة الذين يدخلون النّار من عصاة الموحّدين ، والحمد للّه ربّ العالمين .
هامش
( 1 ) " د " : " الحق " .
( 2 ) " ك " : العبارة : " فينبغي حمل كلام من . . . " .
( 3 ) " ب " : " على الدنيا " ساقطة .
( 4 ) " ب " : " الحسية " ساقطة .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " لكل مخلوق " .
( 6 ) الكلام لمحيي الدين في الفتوحات المكية ، 4 / 477 .
( 7 ) " ك " ، " ز " : " رضي اللّه تعالى عنه " .
( 8 ) " ب " : " في الدنيا والآخرة " .
( 9 ) عبارة محيي الدين في الفتوحات في قوله - تعالى - :لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ :" فقد قرر الذنب ، وأوقع المغفرة ، وأفهم من ذلك عباده أنه لا يعاقبهم في الآخرة ، وما علق المغفرة بالدنيا لما فيها من الالآم والأمراض النفسية والحسية ، وهو عين إنفاذ الوعيد في حقهم ، ويصح قول المعتزلي في هذه المسألة ؛ مسألة إيلام البريء ، فإن الأشعري يجوز ذلك على اللّه . . . " .
انظر : الفتوحات المكية ، 4 / 477 .