هذا كالمحال في حقّهم ، وما منهم أحد إلّا وهو يعلم ويتحقّق في ربّه أنّ حقيقته - تعالى - مخالفة لسائر الحقائق ، وأنّ كلّ ما خطر بالبال فاللّه - تعالى - بخلافه ، لا سيّما الشّيخ الكامل المحقّق « 1 » محيي الدّين بن العربيّ رضي اللّه عنه ، فإنّه من أعظم الأولياء تنزيها للحقّ جلّ وعلا ، كما يشهد لذلك نصوصه السّابقة في هذا المبحث ، فإنّها كلّها تكذّب من نسبه إلى القول بالحلول والاتّحاد « 2 » .
وقد ذكر في الباب الحادي عشر وثلاثمائة من " الفتوحات " ما نصّه « 3 » : اعلم يا أخي أنّي لا أعلم أحدا الآن في عصري تحقّق بمقام العبوديّة الخالص غيري ، وإن كان هناك أحد ، فما وصل إليه علمي ، فإنّي بلغت من مقام العبوديّة اللّائقة بأمثالي غايته « 4 » ، فأنا العبد المحض الخالص الذي لا أعرف للرّبوبيّة على أحد من العالم طعما ، وقد منحني اللّه - تعالى - ذلك هبة منه تعالى ، ولم أنله بعمل « 5 » ، وأرجو من فضله - تعالى - أن يمسك ذلك عليّ حتّى ألقاه ،
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
« 6 » ، انتهى .
وكان سيّدي عليّ بن وفا - رضي اللّه عنه - يقول : إنّما كانت القلوب السّليمة تحنّ إلى التّنزيه أكثر من التّشبيه ؛ لأنّ التّنزيه هو الأصل ، والتّشبيه إنّما هو تنزّل للعقول ، ومن شأن الذّات الإطلاق لذاتها ، وتساوي النّسب لصفاتها ، فاعلم ذلك ، ونزّه ربّك عن صفات خلقه ، والحمد للّه ربّ العالمين .
[ توهّم الخلق أينيّة للحقّ ]
وممّا أجبت به من يتوهّم أنّ الحقّ - تعالى - له أينيّة تليق به أخذا من قوله - تعالى - :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 7 » ، فالجواب أنّه قد أجمع المحقّقون على أنّ الحقّ
هامش
( 1 ) " ك " ، " ز " : " المحقق " ليست فيهما .
( 2 ) " ك " ، " ز " : قوله : " فإنها كلها تكذب من نسبه إلى القول بالحلول والاتحاد " ساقط .
( 3 ) عنوان هذا الباب " في معرفة النواشئ الاختصاصية الغيبة من الحضرة المحمدية " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 5 / 60 .
( 4 ) " ك " ، " ز " : " غاية " .
( 5 ) " ك " : " بعلم " .
( 6 ) ( يونس ، الآية 58 ) . انظر عبارة محيي الدين في الفتوحات المكية ، 5 / 60 .
( 7 ) ( الحديد ، الآية 4 ) .