ويحتاج صاحب هذا الإيمان إلى عينين : عين ينظر بها إلى ما قيّده الحقّ - تعالى - فيقيّده ، وعين ينظر بها إلى ما أطلقه فيطلقه « 1 » ، قال - تعالى - :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ *
« 2 » ، فهذا من حضرة الإطلاق ، وقال - تعالى - :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
« 3 » ، فهذا من حضرة التّقييد ، ومن التّقييد قوله - تعالى - أيضا :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
« 4 » ، وقوله « 5 » :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
« 6 » .
وقد أجمع العارفون باللّه - تعالى - على أنّه - تعالى - إذا أوجب على نفسه شيئا لا يدخل تحت حدّ الواجب على عباده فيه ؛ لأنّه يفعل ما يريد بخلاف العبد ، فإنّه تحت التّحجير « 7 » والتّكليف ، فيأثم إذا ترك ما أوجبه على نفسه كالنّذر مع القدرة عليه عقوبة له ؛ حيث زاحم الشّارع - صلّى اللّه عليه وسلّم - « 8 » في التّشريع ، وأوجب على نفسه شيئا لم يوجبه اللّه عليه .
وقال الشّيخ محيي الدّين في الباب الثّالث والثّلاثين « 9 » من " الفتوحات " في قوله - تعالى - :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
« 10 » : إن قال قائل : إنّ الحقّ - تعالى - لا
هامش
( 1 ) " ك " ، " ز " : العبارة : " ما أطلقه الحق تعالى فيطلقه " .
( 2 ) ( المائدة ، الآية 18 ، الفتح ، الآية 14 ) .
( 3 ) ( النساء ، الآية 48 ) .
( 4 ) ( الأنعام ، الآية 12 ) . " ب " : " كتب ربكم " .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " تعالى " .
( 6 ) ( الروم ، الآية 47 ) .
( 7 ) " ب " : " التخيير " ، وأحسبه تصحيفا يصححه ما ورد في النسخ الأخرى والفتوحات وما سيرد بعده .
( 8 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " صلى اللّه عليه وسلم " ساقطة .
( 9 ) عنوان هذا الباب هو " في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم وكيفية أصولهم ، ويقال لهم النياتيون " .
انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 1 / 316 ، وقد افتتحه بقوله :الروح للجسم والنيات للعمل * تحيا بها كحياة الأرض بالمطر
فتبصر الزهر والأشجار بارزة * وكل ما تخرج الأشجار من ثمر
كذاك تخرج من أعمالنا صور * لها روائح من نتن ومن عطرانظر : الفتوحات المكية ، 1 / 316 .
( 10 ) ( الروم ، الآية 47 ) .