ومرضي ، وفقري ، وجوعي ؟ فأوحى اللّه - عزّ وجلّ - « 1 » إليه : كم تشكو إليّ حالك ؟ هكذا كان بدء أمرك في أمّ الكتاب عندي قبل أن أخلق الدّنيا ، أفتريد أن أغيّر خلق الدّنيا كلّها من أجلك ، أم تريد أن أبدّل ما قدّرته عليك ، فيكون ما تحبّ فوق ما أحبّ ، ويكون ما تريد فوق ما أريد ؟ وعزّتي وجلالي ، لئن تلجلج هذا في صدرك مرّة أخرى ، لأمحونّ اسمك من ديوان النّبوّة « 2 » ، انتهى . وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك بعبارة أخرى ، وهذا من حضرة الإطلاق ، وإلّا فالنّبوّة وهب لا كسب ، وما كان وهبا من الحقّ - تعالى - فلا يقع فيه سلب كما قاله أهل الكشف ، واللّه أعلم .
وسمعت سيّدي عليّا الخوّاص - رحمه اللّه تعالى - « 3 » يقول : من كمال الوجود كونه متفاوتا في الذّوات والصّفات ؛ لأنّ ذلك من كمال القدرة الإلهيّة ، قال - تعالى - :
بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
« 4 » ، أي : لو أراد الخلق كلّهم أن يطيلوا « 5 » إصبعا خلقه اللّه ناقصا في الطّول عن أخيه لا يقدرون ، وقال - تعالى - :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 6 » ، ونحو ذلك من الآيات ، فكان من كمال الوجود أن يبرز من حضرة الغيب « 7 » على صورة ما سبق به العلم من عالم وجاهل ، وغنيّ وفقير ، ورئيس ومرؤوس ، وعالم وأعلم ، وصالح وأصلح ، وزاهد وأزهد ، وهكذا في جميع ما خرج من خزانة « 8 » الجود والفضل ، فعمّ جوده - سبحانه وتعالى - الأعلى والأدنى ، ولم يخصّ بجوده وفضله أحدا دون أحد ، فالملائكة يستمدّون من جوده ، والأنبياء يستمدّون من جوده ، وكذلك القول في خواصّ الأولياء ، وفي المؤمنين ، والكافرين ، كما أشار إليه قوله - تعالى - :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
« 9 » .
هامش
( 1 ) " د " : " تعالى " .
( 2 ) " ك " : " الأنبياء " .
( 3 ) " ك " : " رحمه اللّه تعالى " .
( 4 ) ( القيامة ، الآية 4 ) .
( 5 ) " ب " : " أن الخلق كلهم أرادوا أن يطيلوا " .
( 6 ) ( الزخرف ، الآية 32 ) .
( 7 ) " ك " ، " ب " : " الغيبة " .
( 8 ) " ب " : " خزائن " ، والعبارة في " د " : " في جميع ما خرج صورة من . . . " .
( 9 ) ( الإسراء ، الآية 20 ) .