فمن عرف ما قلناه جعل صفات التنزيه كلّها للذّات الإلهيّة « 1 » ، وصفات التّشبيه كلّها للذّات الفرعيّة ، ولم يحتج إلى تأويل شيء من آيات الصّفات ، قال « 2 » : لأنّ التّأويل ما جاءنا إلّا من اعتقاد أنّ الحقّ - تعالى - لا ينزل لعقول العباد « 3 » في صفات التّشبيه أبدا ، انتهى .
ولا يخفى ما فيه ، وقد تقدّم تأويل حديث « 4 » : " إنّ اللّه - تعالى - خلق آدم على صورته " ، فراجعه ، وكن منزّها لربّك عن كلّ ما تخيّلته في بالك ، فإنّه هو الأمر الحقّ في الدّنيا والآخرة ، والحمد للّه ربّ العالمين .
[ توهّم قدم العالم ]
وممّا أجبت به من يتوهّم قدم العالم بالذّات من حيث إنّه معلوم علم اللّه « 5 » ، فكما لا افتتاح لعلمه تعالى ، فكذلك لا افتتاح لمعلومه ، ويزعم أنّ العالم مساو للحقّ - تعالى - « 6 » في رتبة الوجود « 7 » . والجواب أنّه لا يجوز اعتقاد قدم العالم بالذّات من حيث إنّه معلوم علم الحقّ تعالى « 8 » ، فإنّ الحقّ - تعالى - له رتبة الفاعليّة ، ورتبة الواجب الوجود لذاته ، والعالم له رتبة الإمكان والمفعوليّة ، ولا يمكن لأحد أن يرقى بالعالم إلى رتبة الفاعليّة ، ورتبة الواجب الوجود لذاته أبدا ، وصحّ حينئذ قول الإمام « 9 » أبي حامد الغزاليّ - رحمه اللّه - : " ليس في الإمكان أبدع ممّا كان " ؛ لأنّه ما ثمّ لنا إلّا رتبتان : قدم وحدوث ، فالحقّ - تعالى - له رتبة القدم ، والعالم كلّه « 10 » له رتبة الحدوث ، فلو خلق - تعالى - ما خلق ، فلا يخرج عن رتبة الحدوث ، فكلام الغزاليّ « 11 » في غاية الوضوح .
هامش
( 1 ) " ك " ، " ز " : " الأصلية " .
( 2 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " قال " ساقطة .
( 3 ) " ب " : " لعقول عباده " .
( 4 ) " د " : " وقد تقدم حديث . . . " .
( 5 ) " ك " : " اللّه تعالى " ، " ز " : " الحق تعالى " .
( 6 ) " ب " : " تعالى " ليست فيها .
( 7 ) " ك " ، " ز " : " في الوجود " .
( 8 ) " ب " : " تعالى " ليست فيها .
( 9 ) " د " : " قول أبي حامد " . وقد أتى على قولة الإمام الغزالي محيي الدين في الفتوحات المكية ، 1 / 393 .
( 10 ) " ك " ، " ز " : " كله " ساقطة .
( 11 ) " ك " ، " ز " : " رضي اللّه تعالى عنه " .