وسمعت سيّدي عليّا الخوّاص - رحمه اللّه تعالى - يقول : لم يكلّف الحقّ - جلّ وعلا - « 1 » أحدا من خلقه بمعرفة كنه الذّات أبدا ؛ لأنّ حقيقته - تعالى - مخالفة لسائر الحقائق ، فلا تجتمع « 2 » مع خلقه في حدّ ، ولا حقيقة ، ولا نسبة ، ولا جنس ، ولا فصل ، انتهى .
بل الذي أقول به تبعا لأهل الكشف إنّ العبد منّا لا يعرف كنه نفسه أبدا ؛ لأنّه - تعالى - جعل النفس مرتبة تعجيز دونه تعالى ، وكأنّه يقول - تعالى - : إن عرفتم كنه نفوسكم ، فأنتم تعرفونني ، ومعلوم أنّه لم يبلغنا عن أحد أنّه عرف كنه نفسه ، وسمعت سيّدي عليّا المرصفيّ - رحمه اللّه تعالى - يقول : لو صحّ لأحد معرفة كنه نفسه لعرف كنه الذّات ، ولا قائل بذلك من المحقّقين ، ويؤيّد ذلك ما قد يشير إليه قوله - تعالى - :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
« 3 » ، أي : غاية ما يصل إليه العبد من المعارف لا يتعدّى معرفة نفسه ، بل هو محبوس في دائرتها .
وفي بعض الهواتف الرّبّانية يقول اللّه - عزّ وجلّ - لبعض الخواصّ في سرّه : قل للعارفين بي « 4 » : إن رجعتم تسألونني الزّيادة من المعرفة ، فما عرفتموني ، وإن رضيتم بالقرار على ما عرفتموه من صفاتي ، فما عرفتموني ، وعزّتي وجلالي ، ما أنا عين ما عرفتم ، ولا عين ما جهلتم ، انتهى .
وسمعت سيّدي عليّا المرصفيّ - رحمه اللّه تعالى - يقول : غاية ما عرفه العارفون به إنّما هو آثار صنعه في العالم من إيجاد وإعدام ، وولاية وعزل ، وغير ذلك .
فإن قلت : فإذا لا ينبغي لعبد « 5 » أن يطلب من الحقّ - تعالى - أن يعرّفه بماهيّة ذاته ، قلنا : نعم ، وهو كذلك كما يؤخذ بطريق الإشارة من قوله - تعالى - :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
« 6 » ، يعني أن تتفكّروا فيها بقرينة قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : " تفكّروا في
هامش
( 1 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " تعالى " .
( 2 ) " د " ، " ز " : " يجتمع " .
( 3 ) ( الإسراء ، الآية 15 ) .
( 4 ) " ك " : " بي " ساقطة .
( 5 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " لأحد " .
( 6 ) ( آل عمران ، الآيتان 28 ، 30 ) .