في عالم الغيب ، فإن الروح إذا فارقت الجسد بالنوم وهي على طهارة أذن لها في السجود بين يدي اللّه تعالى حتى يستيقظ ، وإذا فارقت الجسد محدثة وقفت بعيدة عن الحضرة ففاتها العبادة الروحية المجردة عن الجسد كالملائكة ، فافهم فهذا من سر النوم على طهارة .
وأما سر النوم على وتر فإنه أمر يحبه اللّه ، فإذا نام أحدنا أو مات كان آخر عهده عملا يحبه اللّه تعالى فيحشر مع المحبوبين الذين لا يعذبهم اللّه على ذنب أبدا كما أشار إليه قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
[ المائدة : 18 ] . أي فلو كنتم محبوبين له ما عذبكم فافهم ، فهذا من سر حكمة نوم العبد على وتر سواء كان من عادته التهجد أم لا وبهذا أخذ الأكابر من أهل اللّه ، وقالوا أرواحنا بيد اللّه ليس في يدنا منها شيء ، فلا نعلم هل ترد أرواحنا إلينا بعد النوم أم لا ، وكان على ذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فكان يوتر قبل أن ينام . وكان عمر بن الخطاب ينام على غير وتر ويقول : أوتر إذا استيقظت . وكان علي رضي اللّه عنه ينام على وتر ، فإذا استيقظ تطهر وصلى ركعة فردة وأضافها إلى ما قبل النوم فيصير شفعا ثم يصلي ما كتب له ثم يوتر ، وهي حيلة في عدم الوتر في الليلة مرتين ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« لا وتران في ليلة » .
فلما أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بوتر أبي بكر وعمر قال :
« حذر هذا » يعني أبا بكر
« وقوي هذا » يعني عمر .
فقوله : حذر هذا إشارة لكمال أبي بكر وسعة علمه بالأخلاق الإلهية وقوله : قوي هذا إشارة إلى نقص مقام عمر في المعرفة عن أبي بكر ، هكذا قاله أبو الحسن الشاذلي ، واللّه تعالى أعلم .
وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « من بات طاهرا بات في شعاره ملك ، فلا يستيقظ إلّا قال الملك : اللّهمّ اغفر لعبدك فلان فإنّه بات طاهرا » . والشعار : هو ما يلي بدن الإنسان من ثوبه وغيره .
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة مرفوعا : « ما من مسلم يبيت طاهرا فيتعارّ من اللّيل فيسأل اللّه تعالى خيرا من أمر الدّنيا والآخرة إلّا أعطاه اللّه إيّاه » .
وروى مالك وأبو داود والنسائي مرفوعا : « ما من امرئ يكون له صلاة باللّيل فيغلبه عليها نوم إلّا كتب اللّه له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة من ربّه » .
وفي رواية لابن ماجة والنسائي بإسناد جيد وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « من