عبد من عبيد اللّه فكيف بسيده الذي لا يحيط بوصفه الواصفون ؟ . وإيضاح ذلك أن رؤية الملك سبحانه في حضرته الخاصة وجنود واقفون بين يديه ، أكمل من شهوده بغير جنود ولذلك أسرى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الحضرات العلى ، ليطلع على ما لم يكن عنده في الأرض من حيث العظمة الإلهية ، فإن في الإنسان جزءا يزداد علما بالشهود فكان الإسراء زيادات الآيات والعلامات وإعطاء العين حظها من النظر .
وتأمل يا أخي لو أن أحدا من ملوك الأرض لبس لبسة العوام وخرج مستخفيا في الناس إذا رأيته لا يقوم بقلبك تعظيمه كما تعظمه إذا رأيته في دست مملكته وعسكره ، فكذلك القول في الحضرات الإلهية :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] .
الذي لا يحاط به فإنها على صورة المواكب الأرضية في الهيبة نظير الوقوف في صلاة الجماعة .
فعلم أن من طلب تعظيم بيوت اللّه تعالى من غير سلوك على يد شيخ ناصح فقد أخطأ الطريق ، لأن تعظيم البيت فرع عن تعظيم رب البيت .
وما رأت عيني في عمري كله أكثر تعظيما للمساجد من سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى ، كان لا يقدر على رؤية أحد يلغو في المسجد أو يعمل فيه حرفة أو يدخله لحم نيء أو قديد سمك أو غافلا عن اللّه عز وجل . وقد رأى مرة الأخ الصالح أبا العباس الحريثي يمشي بتاسومة في المسجد فنهاه عن ذلك وقال هذا عيب عظيم من مثلكم وقلة تعظيم لربكم فنزعها من رجله ، واستغفر فما لبسها في المسجد حتى مات ، وهذا الأمر قد كثر في المتورعين تنطعا لا خوفا من اللّه عز وجل فيأكلون الحرام ويفعلون الحرام ثم يمشي أحدهم بتاسومة على حصر المسجد .
وقد قالوا في المثل السائر رأوا مرة شخصا سكران يقرأ القرآن ، فقال الناس له غن ليشاكل بعضك بعضا وهكذا من يفعل ما ذكرناه ، وما هكذا كان يفعل أهل العلم والدين الذين أدركناهم رضي اللّه تعالى عنهم فاللّه تعالى يرد العاقبة إلى خير آمين .
وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى قبل وجه أحدكم إذا صلّى فلا يبصق إذا صلّى بين يديه » .
وروى ابن خزيمة : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى نخامة في المسجد يغضب ويقول : إنّ أحدكم إذا صلّى يقابل ربّه أيحبّ أحدكم أن يستقبل أحد وجهه فيبصق في وجهه » .
وفي رواية أخرى له مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ بين أيديكم في صلاتكم ، فلا توجّهوا شيئا من الأذى بين أيديكم » .