تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
فعلم أن اللّه تعالى ما طلب منا إلا أن نعبده خالصا لوجهه لا نشرك بعبادته أحدا من خلقه حتى أنفسنا إلا بقدر نسبة العمل إلينا لأجل التكليف ، فيا خسارة من يرائي بعمله في هذه الدار ، ويا ندامته يوم القيامة فإنه ليس مع الخلق الذين راءاهم شيء يعطونه له يوم القيامة في نظير مراءاتهم ، ولا هو عبد اللّه تعالى خالصا حتى يثيبه على عبادته قال تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ الكهف : 110 ] . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من شرط العمل الصالح أن لا يرى به نفسه على أحد من خلق اللّه تعالى ، فمتى رأى له به فضلا على أحد خرج عن كونه صالحا إلا إن قصد بذلك الشكر انتهى . ثم لا يخفى على كل عاقل أن العبد لا يستحق قط على خدمة سيده شيئا لأن خدمة السيد واجبة على عبده شرعا لكونها وظيفة الرق ، وكل عبد لا يرى المنة لسيده عليه في إذنه له في الوقوف بين يديه فضلا عن إعطائه الثواب الجزيل فهو أعمى القلب في العبيد ، فإنه لو طرده مثل غيره ومنعه الوقوف بين يديه لهلك مع الهالكين . واعلم يا أخي أن أكثر ما يدخل الرياء في الفضائل الزائدة على الفرائض ، أما الفرائض فلا يدخلها رياء إلا من حيث تحسينها بإظهار الخشوع فيها ونحو ذلك . والفرق بينهما أن العبد في فعل الفرائض عبد اضطرار وفي النوافل عبد اختيار فكأنه يقول في نفسه قد فعلت ما كلفني اللّه تعالى به وزدت عليه ، ولو شئت لم أفعله ، فلذلك يغلب عليه شهود فضله على أخيه بفعل ذلك بخلافه في الفرائض ، ولذلك أمر العبد أن يقول في سجود التلاوة « سجد وجهي للذي خلقه وصوره ، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته » بخلاف الفرائض لا يقول فيها بحوله وقوته لأنه لا يرى نفسه بها على غيره غالبا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ صادق يفنى اختياره في اختياره ويصبر على نهره ومناقشته له حتى يسير به في طريق الغيب ويوصله إلى حضرة ربه عز وجل ، ومن لم يسلك كما ذكرنا فمن لازمه شهود العمل لنفسه وحب المحمدة به عند الناس وحب الشهرة بالصلاح شاء أم أبى . وإيضاح ذلك أن من لم يسلك الطريق لا يصح له غالبا دخول حضرة الإحسان التي يعبد اللّه فيها كأنه يراه أبدا ، فهو واقف في عبادته مع نفسه ومع الخلق في الأعمال ، ولو أنه دخل حضرة الإحسان لشهد اللّه تعالى هو الفاعل لجميع أعماله خلقا وإيجادا على الكشف والشهود ، وما بقي للعبد إلا وجه إسناد الفعل إليه مجازا لأجل قيامه بالحدود والتكاليف لا غير ، ومن كان كذلك لم يجد لنفسه عملا أصلا فاستراح من ورطة الرياء بالأعمال والإعجاب به وطلب الثواب من اللّه تعالى لأجله ونحو ذلك ، فصار يشهد جوارحه كالآلة التي يحركها المحرك على الفارغ فيرى اللّه هو الفاعل في جوارحه بالإمداد