حتّى إذا قرب المسير إلى الحمى * ودنا الرّحيل إلى الفضاء الأوسع
هجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت * ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
فكأنّما برق تلمّع بالحمى * ثمّ انطوى فكأنّه لم يلمع
ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ناصح يخلصه من العوائق والحجب التي تحجبه عن شهود الدار الآخرة وأهوالها ، ويعرفه أنه ما دام في هذه الدار فرسل اللّه تعالى مرسمة عليه تكتب عليه جميع ما شاء اللّه تعالى من الأقوال والأفعال فكأنه في سجن ، فإذا خرجت روحه فكأنه أطلق من السجن ، ومن لم يسلك كما ذكرنا فمن لازمه نسيان الموت والدار الآخرة كما هو حال أكثر الناس اليوم فكلنا في غمرة ساهون ، نسأل اللّه اللطف .
وفي الحديث : « من أراد أن ينظر إلى ميّت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه » . وإنما سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ميتا لأنه مات عن التدبير والاختيار مع اللّه تعالى ، وسلم نفسه لمجاري الأقدار ولم يبق عنده نزاع لها .
فاسلك يا أخي على يد شيخ ليصير الموت نصب عينيك طبعا من غير تكلف ، فلا ترى إلا عاملا بخير أو مستغفرا من ذنب قد سبق على أيام السلوك لك ، واللّه يتولى هداك .
وروى ابن ماجة والترمذي وحسنه وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « أكثروا ذكر هاذم اللّذّات » يعني الموت .
وفي رواية للطبراني بإسناد حسن مرفوعا : « أكثروا ذكر هاذم اللّذّات » يعني الموت « فإنّه ما كان في كثير إلّا قلّله ، ولا قليل إلّا جزّأه » . أي كثره ، وهاذم بالذال المعجمة أي قاطع .
وروى البزار وغيره بإسناد حسن : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم مرّ بمجلس وهم يضحكون ، فقال :
أكثروا من ذكر هاذم اللّذّات ، أحسبه قال : فإنّه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلّا وسّعه ، ولا في سعة إلّا ضيّقت عليه » .
وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا قال : « كانت صحف موسى عليه السّلام عبرا كلّها : عجبت لمن أيقن بالموت ثمّ هو يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالنّار ثمّ هو يضحك ، وعجبت لمن آمن بالقدر ثمّ هو ينصب ، وعجبت لمن رأى الدّنيا وتقلّبها بأهلها ثمّ اطمأنّ إليها ، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ، ثمّ لا يعمل » .
وروى الترمذي والبيهقي : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل مصلّاه فرأى قوما كأنّهم يكتشرون : أي يضحكون فقال : أما إنّكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللّذّات الموت لشغلكم عمّا