وقد قدمنا عن الحسن البصري أنه كان يقول : أدركنا أقواما كنا في جنبهم لصوصا ولو رأوكم لقالوا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب .
وقد كان مالك بن دينار يقول : واللّه لو حلف إنسان بأن أعمالي أعمال من لا يؤمن بيوم الحساب لقلت له صدقت ، لا تكفر عن يمينك ، فتأمل ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك .
وروى البخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجة والطبراني وغيرهم مرفوعا :
« ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى اللّه تعالى من هذه الأيام يعني أيّام عشر ذي الحجّة ، قالوا : يا رسول اللّه ولا الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال ولا الجهاد في سبيل اللّه ، إلّا رجلا خرج بنفسه وماله ثمّ لم يرجع من ذلك بشيء » .
وروى الترمذي وابن ماجة والبيهقي مرفوعا :
« ما من أيّام أحبّ إلى اللّه تعالى أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة يعدل صيام كلّ يوم بصيام سنة وقيام كلّ ليلة منها بقيام ليلة القدر » .
وفي رواية للبيهقي : « إنّ العمل فيهنّ » يعني في ليالي عشر ذي الحجة « يضاعف بسبعمائة ضعف » .
وروى البيهقي والأصبهاني بإسناد لا بأس به عن أنس بن مالك قال : كان يقال في أيام عشر ذي الحجة كل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم ، يعني في الفضل ، واللّه تعالى أعلم .
[ الاستعداد للوقوف بعرفة واجب : ]
( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نستعد لوقوف عرفة بتلطيف الكثائف وإزالة الحجب المانعة من قبول الدعاء من الغذاء الحرام ، والثياب الحرام ، ووجود غل أو حقد أو حسد في القلب لأحد من المسلمين ، فإن تلك مواضع ذل وانكسار ، وبكاء وعويل ، وأكل الحرام ولبسه يقسي قلب العبد ، ومن أعظم دواء لحصول رقة القلب الجوع الشرعي يوم التروية وليلة عرفة ، وهذا أمر أقل من يتنبه له من الحجاج فيأكل أحدهم اللحم والطعام حتى يشبع ويطلب رقة قلبه يوم عرفة فلا يقدر ، ويريد يبكي على ذنوبه فلا يقدر ، وقد ورد « القلب القاسي بعيد عن اللّه » ثم بتقدير قربه من اللّه فهو لا يرجو إجابة دعائه عقوبة له فلا يستجاب له ، لأن اللّه تعالى عند ظن عبده به ومن ظن باللّه أنه لا يجيب دعاءه لم يجبه .
ثم مما لا يخفى عليك يا أخي ، تحريم رؤيتك نفسك على أحد من الخلق في عرفات لأنه موقف لا يناسبه إلا الذل والمسكنة ، وقد قبل رجل فيه رجل سيدي أفضل الدين رحمه اللّه ، فكاد أن يذوب من الحياء من اللّه تعالى وصار يضرب بيده على وجهه ،