من يعلم أحكام اللّه على التقليد مع تعاطي شهوات النفوس من أكل وشرب ولباس ومركب ومنكح وغير ذلك من الأمور التي لا تكمل له إلا بالدنيا ، فلا يكاد ينفق شيئا في مرضاة اللّه تعالى إلّا إن اكتفت نفسه من شهواتها والشهوات لا قرار لها إذ كل شهوة تجذبه إليها ، ولو كان له في كل يوم مائة دينار ما كفته .
واعلم يا أخي أنه قد ورد :
« إنّ العبد ليرزق رزق سنة في شهر ، فإن رفق به كفاه وإلّا احتاج في بقيّة سنته ، وإنّ العبد ليرزق رزق شهر في جمعة ، فإن رفق به كفاه وإلّا احتاج في بقيّة الشّهر ، وإنّ العبد ليرزق رزق جمعة في يوم ، فإن رفق به كفاه وإلّا احتاج في بقيّة جمعته » .
وهذا محمول على من كان ضعيف اليقين كما يدل عليه نحو قوله صلى اللّه عليه وسلم لكعب بن مالك :
« أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » .
وقوله لبلال : « أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا » فافهم .
فلا ينبغي لمن معه ما يزيد على حاجته أن يتصدق به إلا أن يكون قوي اليقين من الأغنياء أو من المتجردين . أما من يأكل من كسب ربحه ، فله أن يمسك رأس ماله وما بقي من ربحه ينفقه على الأقارب وغيرهم ، وربح الألف الآن خمسة أنصاف كل يوم للعامل ، فمن لا يكفيه لنفقته ونفقة عياله وضيوفه كل يوم إلا عشرة أنصاف فله أن يمسك الألفي دينار أو أكثر بحسب حاجته ، ومن يكفيه كل يوم نصف فله أن يمسك نصفا وقس على ذلك ، وليس اللوم إلّا على من يجمع ويمنع ، نسأل اللّه اللطف .
وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لكل خلق من أخلاق النبوة كرب في مقابلة تركه يوم القيامة ، فمن لم يطعم للّه جاء يوم القيامة جيعانا ، ومن لم يسق الماء للّه جاء يوم القيامة عطشان ، ومن آذى الناس جاء يوم القيامة يؤذي ، ومن لم يستر مسلما للّه جاء يوم القيامة مهتوكا مكشوف السوءة على رؤوس الأشهاد ، ومن لم ينفس عن مسلم كربة جاء يوم القيامة مكروبا ، ومن لم يسامح أحدا في حقه كان يوم القيامة تحت أسر من له عليه حق ، ومن ازدرى بالناس ازدري هناك ، وهكذا فلا يجني أحد إلا ثمرة عمله في الدنيا والآخرة كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في أحاديث العهد الثالث إن شاء اللّه تعالى . ومن وصية سيدي سالم أبي النجاء القوي رضي اللّه عنه لأصحابه وهو محتضر : اعلموا يا إخواني أن الوجود كله في الدنيا والآخرة يعاملكم بحسب ما برز منكم من الأعمال ، فانظروا كيف تكونون :
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ النور :
46 ] .