تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
بحمد اللّه بذلك فأرسلت له فقيرا سرا وقلت له اسأله في دينار ولا تسأله إلا ليلا أو حيث لا يعلم بذلك أحد ، فسأله فأعطاه الدينار فلم يزل به أبو مرة يوسوس له بإظهار ذلك حتى جاءني وصار يذكر شدة احتياج الناس إلى الصدقة في هذا الزمان ، إلى أن جاء إليّ ذلك الفقير وقال إن فلانا محتاج وقد بلغنا أنه جاء إلى بعض التجار وسأله دينارا فأعطاه له ، ثم لم يزل به إبليس حتى ذكره لي وقال إنما ذكرته لك يا سيدي لكوني لا أحب أن أخفي عنك شيئا ، فانظر كيف أخرجه إبليس من صدقة السر وأوقعه في تزكية نفسه ، ودعوى أنه لا يخفي عنيّ شيئا من أحواله ، ولو أني قلت له أعلمني بعدد ما عندك من الدنيا ما سمح بذلك ، فو اللّه لقد صار الصدق أعز من الكبريت الأحمر ، ولو أنه كان دخل طريق الفقراء من بابها على يد شيخ لصار دخوله النار أهون عليه من إظهار ما أمره اللّه بكتمه . قلت : وقد بلغنا أن شخصا صام أربعين سنة لا يشعر به أحد فلم يزل به إبليس حتى أوقعه في التحدث بها . وذلك أن إبليس جاء إلى القصاب في هيئة فقير وفي عنقه سبحة وعلى كتفه سجادة وصار يقول للجزار أعطني هذه القطعة اللحم المليحة لأن لي ثلاثة أيام صائما ، فلم يزل يكرر ذلك حتى تحرك في قلب ذلك العابد داعية إظهار صومه ، وقال اكتم صومك أنت أفضل لك فإني صائم أربعين سنة ما شعر بذلك أحد ، فقال له إبليس أنا إبليس وما لي حاجة باللحم إلا حتى أوقعتك في إظهار صيامك ، ثم قال له إبليس ، كيف تقول لي اكتم صومك فإنه أفضل وتقع أنت في إظهاره ؟ فندم العابد وفارقه إبليس . واعلم أني ما رأيت في عمري كله أكثر صدقة سرا من شيخنا شيخ الإسلام زكريا شارح « البهجة » ، والشيخ شهاب الدين بن الشلبي الحنفي ، لا نكاد نجدهما يظهران من صدقتهما شيئا . وقد جاء شخص من الأشراف إلى شيخنا الشيخ زكريا وقال له يا سيدي قد خطفوا عمامتي الليلة فأعطني ثمن عمامة ، فأعطاه فلسا فرده الشريف فأخذه الشيخ ، فقلت له إن الفلس لا يكفي في مثل ذلك ، فقال الذنب له الذي جاء بحضرة الناس وقد رغبني اللّه تعالى في الإسرار بالصدقة فلا أظهر ذلك لأحد من الخلق ، ولو أنه جاء من غير أن يكون عندي أحد لاعطيته ثمن العمامة أو أكثر لأجل جده صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لقيت الشريف بعد ذلك فأخبرته بما قال الشيخ فقال : إن الشيخ أرسل لي عمامة في الليل وها هي على رأسي . وكذلك بلغنا عن سيدي علي النبتيتي بن الجمال أنه كان يرسل كل سنة المائة حمل قمحا وأرزا وغير ذلك إلى مكة في البحر ، ويسافر هو في البر مع الحجاج ، ثم يجلس يبيعها في المسعى ويخبر بالسعر الغالي زيادة على الناس وينظر ، فكل من اشترى منه بالزيادة على السعر يعرف أنه مضطر فيعطيه ما اشتراه بلا ثمن ويأمره بالكتمان ، فعلم بذلك غالب أهل مكة فكان يعطيهم كذلك حتى أنه لم يأخذ درهما واحدا في بعض السنين ، فقيل له إن كان ولا بد لك من العطاء للناس بلا
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 114 | عبد الوهاب الشعراني / محمد عبد السلام ابراهيم