واعلم أن مدح الكريم إذن من فضل اللّه وذم البخل إذن من عدل اللّه من حضرتي اسميه المعطي والمانع كما أوضحنا ذلك في رسالة « الأنوار القدسية » .
فاسلك يا أخي على يد شيخ إن أردت العمل بهذا العهد ، واللّه يتولى هداك :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف : 196 ] .
وقد روى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن والحاكم ، وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « من نزلت به فاقة فأنزلها بالنّاس لم تسدّ فاقته ، ومن نزلت به فاقة فأنزلها باللّه فيوشك اللّه تعالى له برزق عاجل أو آجل » .
وفي رواية للحاكم :
« أرسل اللّه له بالغنى ، إمّا بموت عاجل أو غنى آجل » .
وفي رواية للطبراني مرفوعا : « من جاع أو احتاج فكتمه عن النّاس وأفضى به إلى اللّه كان حقّا على اللّه أن يفتح له قوت سنة من حلال » واللّه تعالى أعلم .
[ الحث على قبول كل ما جاءنا من الحلال : ]
( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نقبل كل ما جاءنا من الحلال من غير استشراف نفس ولا نرده ، وذلك لأنه جاءنا من عند اللّه تعالى من غير تعمد وقع منا أو اجتلاب ، قال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 - 3 ] .
ولا يمتن الحق تعالى على العبد إلا بما هو حلال محمود .
وكانت طريقة سيدي أبي الحسن الشاذلي ، أنه لا يسأل ولا يرد ولا يدخر ، وكذلك كانت طريقة سيدي أحمد بن الرفاعي رحمهم اللّه تعالى . وفي الحديث : « من تورّع عن الحلال وقع في الحرام » .
وهذا أمر ربما يخل به كثير من المشايخ فضلا عن غيرهم ، وكذلك كان دأب سيدي علي الخواص إلى أواخر عمره ، ثم قبل من الناس قبل موته وصار يضع الدراهم والدنانير عنده في قدرة ، فكل من مر عليه من العميان والعاجزين والمديونين يعطيه من ذلك ويقول ما في الكون مال إلا وله ناس يستحقون الأكل واللبس منه من أصحاب الضرورات .
وسمعته رضي اللّه عنه يقول : لو كشف للمحجوبين لرأوا جميع ما يأتيهم من الناس إنما هو هدية من الحق تعالى وهو الذي قدمه إليهم فكيف يصح لصاحب هذا المشهد أن يرد .
فقلت له : فأين ميزان الشريعة حينئذ ؟ فقال : موجود ، وهو أنه لو شهد أن الحق تعالى هو المعطي لا يقبله إلا إن رأى وجه رضاه به فإن المعاصي كلها بتقدير اللّه وإرادته ، ومع ذلك فيردها العبد وجوبا ويدافعها جهده حتى لا يقع في هلاكه ، فعلم أنه ما وقع لأحد رد إلا وهو محجوب في حجاب ظاهر الشريعة المطهرة ، فإن لسان حالها