على نية قوة الاستعداد للوحي ليرجعوا إلى الحالة التي كانوا عليها حين قدر الحق تعالى المقادير ، فلما نظر هؤلاء القوم إلى انقطاعهم وتعبدهم ثم حصول النبوة لهم ظنوا أن النبوة مكتسبة وهو وهم وقصور نظر .
( فإن قلت ) : فما شبهة منكري النبوات المعهودة ؟
( فالجواب ) : سبب إنكارهم ذلك توهمهم أن كل من صفى جوهرة نفسه من الكدورات الطبيعية والتزم مكارم الأخلاق العرفية صار نبيا من غير وحي إليه على لسان ملك قالوا فإنه إذا صفي قلبه انتقش في قلبه جميع ما في العالم العلوي من العلوم السماوية التي في اللوح المحفوظ وغيره بالقوة ، فينطق بالغيوب فهناك يسمى نبيا عندهم ذكره الشيخ في الباب الخامس والستين وثلاثمائة . ثم قال : وليس الأمر عندنا وعند أهل اللّه تعالى كما قال هؤلاء ، وإن جاز وقوع ما ذكروه من انتقاش العلوم الإلهية لأنه لم يبلغنا أن نبيا أو حكيما صفى جوهرة نفسه فأحاط علما بما يحتوي عليه حاله في كل نفس أبدا بل غايته أن يعلم بعضا ، ويجهل بعضا ، وأطال في رد أقوال منكري النبوّة فكذب واللّه ، وافترى من زعم أن الشيخ فلسفي كما مر في مبحث حدوث العالم .
وقد قال أيضا في الباب الثامن والتسعين ومائتين من قال : إن النبوة مكتسبة أخطأ لأن النبوة اختصاص إلهي قطعا . قال : وشبهة قول من يقول إنها مكتسبة زعمه أنها ليست من اللّه تعالى ، وإنما هي من فيض العقل والأرواح العلوية انتهى .
وقال أيضا في الباب الرابع والثمانين : اعلم أن كل مأمور به فهو مقام مكتسب ، ومن هنا قالوا : المقامات مكاسب والأحوال مواهب انتهى .
( فإن قلت ) : فهل كل رسول خليفة أم الخلافة لبعض الرسل دون بعض ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والأربعين : أنه ليس كل رسول خليفة إنما تكون الخلافة لمن نص اللّه تعالى على خلافته كداود عليه الصلاة والسلام فهو رسول وخليفة لأنه قال له احكم بين الناس بالحق وأما آدم عليه الصلاة والسلام فأجمل اللّه تعالى له الخلافة
شرح
ذلك إلا بالموت . قال ومع هذا البيان بقي أهل الأهواء في خوضهم يلعبون مع إبانة الصبح لذي عينين بلسان وشفتين انتهى . وقال أيضا في الكلام على اسمه تعالى الآخر من الباب المذكور ما نصه : اعلم أن حد الآخر من الثاني الذي يلي الأول إلى ما تحته فهو المسمى بالآخر لأن له حكم التأخر عن الأولية بلا شك وإن استحق الأولية هذا المتأخر فما تأخر عن الأول إلا لأمر أثبته الزمان لأن وجود الإلهية فيه من جميع الوجوه فالحكم في تأخيره وتقدم غيره للزمان لا للأفضلية في الحقيقة كخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، رضوان اللّه عليهم أجمعين . فما من واحد إلا وهو مترشح للتقدم والخلافة مؤهل لها فلم يبق حكم لتقدم