إن أعيد إليه جميع أجزائه التي كانت له مدة عمره ثم زالت وتبدلت وجب أن يكون جزء ذلك بعينه يدا ورأسا وكبدا وذلك لأن الأجزاء العضوية المركبة من الأخلاط سيالة تنتقل من عضو إلى عضو عند الاغتذاء .
( فالجواب ) : قد ذكرنا فيما تقدم ما هو المعاد وما ذكروه من سيلان الأخلاط من عضو إلى عضو عند الاغتذاء لا يلزم أن يصير القلب كبدا ولا الرأس يدا لأن الذرة التي هي الأصل وأخذ الميثاق علها كانت هيئة الإنسان مقدرة فيها بجميع أشكال أعضائه في علم اللّه تعالى وإنما سماها ذرة تشبيها بالذرة التي هي النملة الصغيرة وهي مع صغرها لها أعضاء مخصوصة محسوسة فلا يستحيل أن يكون لتلك الذرة أعضاء مقدرة ثم إذا خلقها اللّه تعالى إنسانا تنبسط تلك الأعضاء على قدر الجثة وتنضم إليه الأجزاء السيالة من الأخلاط فتتشكل على هيئة الشكل المقدر في الذرة الأولى ، فعلى هذا المنتقل من عضو إلى عضو هو تلك الأجزاء السيالة الغذائية دون أجزاء الذرة الأولى التي شكل الإنسان فيها مقدر في علم اللّه بجميع أعضائه وهي بعينها قائمة منبسطة في جميع البدن إذ هو حافظ لشكلها وصورها ولا تبلى قط لقوله تعالى
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
( 219 ) [ الشعراء : 219 ] والأجزاء الغذائية تارة تنضم إليها وتارة تفارقها فعلى هذا المعنى الرأس رأس واليد يد والقلب قلب والكبد كبد باعتبار أجزائها الأصلية التي هي على غاية اللطافة والأجزاء الغذائية التي هي الدم وغيره تجري من عضو إلى عضو وتستحيل وتلك الأصلية باقية على حالها ومما يقرب من مثالها المحسوس هو راية الثعبان المخيط من الحرير يدخل الريح من جوفها وينتقل من عضو إلى عضو فتنفخ الراية على هيئة الثعبان ثم يخرج منها وهي تبقى على ما كانت وقريب منه أيضا الإسفنجة وهي شيء كالغيم هش متخلخل لطيف خفيف إذا طرح في الماء يشرب الماء بتجاويفه فيربو ويعظم ويتثاقل ثم إذا جفف عاد إلى الأصل فعلم من هذين المثالين أن أجزاء الذرة في كل شخص باقية على هيئتها بالنص الوارد في قوله
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
( 219 ) [ الشعراء : 219 ] والأجزاء الملتحقة بها تستحيل وتزيد وتنقص ، وأصل تلك الأجزاء الأصلية في الخلقة هو العجب هو أصل الذنب وسمي به للتعجب من بقائه عند بلي سائر الجسد كما ورد وعليه يتركب الجسد عند الأحياء في الحشر .
شرح
( وقال ) : إذا كان الرسول حسن الصورة فذلك إشارة إلى جمال المرسل إليه وقد حصل إدراك البغية بنزول جبريل في صورة دحية أين صورة مالك من صورة رضوان أين النار من الجنان . وقال : النفث في الروع من وحي القدس وهو عين الإلهام لكن ما هو مثل وحي الكلام ولا وحي الإشارة والعبارة وما ثم إلا ملهم وهو الخاطر الخاطر من السحاب الماطر ويسمى الخاطر الأول لأن النفث لا يكون له مكث فحلوله انتقاله ووروده زواله . وقال : من احتج عليك بما سبق فقد حاجك بالحق ومع هذا فهي حجة لا تنفع صاحبها ولا نعصم جانبها ومع كونها ما نفعت سمعت وقيل بها وإن عدل الشرع من مذهبها فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولكن أكثر الناس لا يشعرون ومثل هذه المسألة لا يكون جهارا ولا يكلم بها إلا إشعارا