تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
حق استقراره في القلب فلم يكن يزول بعد ذلك بدليل آخر فما كل علم يقين أو عين يقين يحق له هذا الاستقرار وإلا فأين يقين الأنبياء من يقين آخر الأمة يقال : يقن الماء في الحوض إذا استقر . ( فإن قلت ) : فهل يقدح في علم اليقين وجود اضطراب من قبل الأسباب ؟ ( فالجواب ) : إن كان الاضطراب من الوقوف مع الأسباب دون اللّه قدح ذلك في علم اليقين وإن كان هبوب النفس في إزالة ذلك الاضطراب إلى جناب الحق دون الأسباب فلا يقدح ذلك في علمه لاعتقاده أن الحق تعالى هو الفاعل فإن شاء أزال ذلك الأمر بأسباب أي : عندها وإن شاء أزاله بغير ذلك فصار متعلق اليقين الاعتماد على الجناب الإلهي دون الاعتماد على الأسباب ذكره الشيخ في الباب الثاني والعشرين ومائة . فقد بان لك بهذا التقرير أن أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد والسفياني والأوزاعي وداود وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وإن مذاهب الأئمة كلها منسوخة من الكتاب والسنة سداها ولحمتها منهما ووجب عليك حينئذ أن تعتقد جزما أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم إما كشفا ويقينا ، وإما نظرا واستدلالا وإما أدبا وتسليما وما بقي لك عذر في تخلفك عن هذا الاعتقاد فإن بعض الناس يقول ذلك بلسانه فقط دون قلبه ومصداق ذلك : أنه إذا اضطر إلى العمل بقول أحد غير إمام مذهبه يلحقه بذلك حصر وضيق حتى كأنه قد خرج عن الشريعة فأين دعواه أنه يعتقد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم . فإن من فعل الرخصة بشرطها فهو على هدى من ربه فيها أيضا وبالجملة فلا يصل إلى اعتقاد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم جزما ويقينا ، إلا من سلك طريق القوم وقطع منازلها ، حتى وقف على العين التي يستمد منها جميع المجتهدين وقد وضعت في تقرير مذاهب جميع المجتهدين ، ميزانا عظيمة تعلمتها من مولانا أبي العباس الخضر عليه السلام فمن شاء فليراجعها واللّه عليم حكيم .
شرح
وهم لا يعرفون أنه الملك كيف لا يقوم له وزن في نفوسهم ثم إذا لقيه في تلك الحالة من يعرفه قامت بنفسه عظمته وقدره وأثر فيه علمه فاحترمه وتأدب وخضع له فإذا رأى الناس الذين يعرفون قرب ذلك الخاضع من الملك وأن منزلته تعطي أنه لا يظهر منه مثل هذا الفعل إلا مع الملك حارت إليه أبصارهم ، وخشعت له أصواتهم ، وأوسعوا له وتبادروا لرؤيته واحترامه فهل أثر فيهم إلا ما قام بهم من العلم فما احترموه حينئذ لصورته لأنها كانت مشهودة لهم حين لم يعلموا أنه الملك فإن كونه ملكا ليس هو عين صورته وإنما هي رتبة نسبة أعطته التحكم في العالم الذي تحت بيعته فتأمل ذلك فإنه نفيس .

[ الباب السادس والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف والعلوم حجبته عني وهو من الحضرة المحمدية ]

وقال في الباب السادس والتسعين وثلاثمائة : مراد الحق تعالى من عباده بجميع ما خلق وأنزل من العلوم أن يجمعهم بذلك عليه ومن أتعب نفسه في جميع العلوم من غير أن ينظر في دلالتها على الحق تعالى فإنه المقصود الأعظم ، وحجب عن موضع الدلالة التي فيها على الحق حتى علوم الحساب والهندسة والمنطق ونحوها
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 486 | عبد الوهاب الشعراني