بعد تعليم آدم الأسماء من يجهل الحق بل كلهم علماء باللّه عز وجل ولذلك قال تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ
[ آل عمران : 18 ] . ثم قال في حق الناس
وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] فلم يطلق الأمر كما أطلقه في الملائكة وأطال في ذلك ثم قال : فالمراد بهذا العلم هو علم التوحيد لا علم الوجود فإن العالم كله عالم الوجود بخلاف التوحيد في الذات أو في المرتبة يجهله بعض الناس .
( فإن قيل ) : فهل اختصت الملائكة عن البشر بشيء من العلوم ؟
( فالجواب ) : نعم . كما ذكره الشيخ في الباب الخامس والسبعين وثلاثمائة ، وذلك أنهم اختصوا بالعلم الذي لا يعرفه أحد من البشر إلا إن تجرد عن بشريته وعن حكم ما فيه للطبيعة من حيث نشأته حتى يبقي الروح المنفوخ فيه على أصله الأول ، وحينئذ يتخلص للعلم باللّه تعالى من حيث يعلمه الملائكة فيقوم في عبادته للّه تعالى مقام الملائكة في عبادتهم للّه تعالى قال وقد ذقنا ذلك وللّه الحمد ولولا خوفنا أنا إذا علمنا هذا العلم لأحد يدعيه كذبا لبينا له منها ما تقربه العيون .
( فإن قلت ) : فهل فطر أحد من الملائكة على الشهوة ولكن يحميه اللّه تعالى أم لا شهوة له أصلا ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والسبعين وثلاثمائة : ليس للملائكة شهوة وإنما فطرهم اللّه على المعرفة باللّه وعلى الإرادة ولذلك أخبر عنهم بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم لما خلق لهم من الإرادة ولولا الإرادة ما أثنى عليهم بأنهم
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ]
( فإن قلت ) : فعلى ماذا فطر الحيوان ؟
( فالجواب ) : فطر على العلم باللّه وعلى شهوة خاصة بخلاف الجن والإنس فإنهم فطروا على المعرفة والشهوة وذلك تعلق خاص في الإرادة إذ الشهوة إرادة طبيعية فليس للجن والإنس إرادة إلهية كالملائكة وفطرهما اللّه تعالى على العقل لا لاكتساب العلم وإنما هو آلة جعلها
شرح
الإنسان فطرت على الحسد فلما بعث إليها نبي من جنسها لم يؤمن به إلا من قوي على دفع ما في نفسه من الحسد وحب الشفوف وهروبها من الدخول تحت حكم غيرها فكان إيمان الصحابة أقوى بهذا النظر لمشاهدتهم تقديم جنسهم عليهم وكان معظم اشتغالهم فيما يدفع سلطان الحسد أن يقوم بهم وذلك مانع لهم من إدراك غوامض العلوم والأسرار ، فارتفعوا علينا بقوة الإيمان ولكن جبر اللّه نقصنا بإعطائه لنا التصديق بما نقل لنا عنهم من الشرع فحصل لنا درجة الإيمان بالغيب الذي لا درجة للصحابة فيه ولا قدم فعلم أنهم ما فضلونا إلا بقوة الإيمان والسبق وأما في العلم والعمل فقد يساويهم غيرهم في ذلك وأطال في ذلك ، ثم قال :