بذلك بما لا بد منه ، كاعتقاد حقيقة الموت والبعث والقبر والصراط والميزان وما في معناهما .
والعلم بالفقه ، أعنى ما لا بد منه من المياه والاستنجاء والوضوء والغسل والصلاة ، والزكاة ، إن كان المريد صاحب نصاب ، والحج إن كان قادرا ، والبيوع والربا إن كان معاملا ، وأحكام النكاح إن كان متزوجا وما في معنى ذلك .
والعلم الثالث : وهو المنطمس في زماننا أثره ، المفقود عينه المسموع خبره ، وهو العلم بأمراض القلب وعلله وعلاج ذلك ، وإنما كاد أن يكون منطمسا بموت أهله كما في الحديث : « إن اللّه لن ينتزع العلم انتزاعا . . . » « 1 » إلى آخره .
وأما علماء الزمان فأكبوا على غير المقصود ، وأحكموا العلم ، وتركوا العمل إلا من وفقه اللّه تعالى كما قال تعالى :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ ،
وأنت خبير أن العلماء أطباء القلوب ، والطبيب إذا كان عالما بالعلة ودوائها كما ينبغي ، وكانت به تلك العلة ، ولم يتتناول الدواء ، فكيف يداوى غيره ، ومقال ذلك إذا كان من يدعى معرفة طب العين أعمى أو أعشى ، ومن يدعى معرفة حسم مادة البرص أو الجذام أبرص أو مجذوما ، أترى المريض الذي به علة من هذه العلل يصدق الطبيب الذي قاله يكذب حاله ، أو يقال له : أيها الطبيب الكاذب بما يدعى ، لو كنت صادقا في دعواك لبدأت بتطبيب نفسك ثم انتقلت إلى معالجة غيرك ، وكذلك يقال للذي لم يعمل بعلمه ، إذا اشتغل بدلالة غيره على الطريق ، فإن العلماء هم أطباء القلوب ، وسرج الأزمنة بأقوالهم يهتدى ، وبأحوالهم يقتدى ، فلما رأى المرضى أطباءهم أشد مرضا منهم ، وأسوء حالا لعلمهم بالدواء ، وعدم تعاطيهم إياه أعرضوا عن التداوي منهم ، فصار الداء عضالا ، واستوت العامة والخاصة .
متى يستقيم الظل والعود أعوج ، ولكن هذا لا يخلص العامة بين يدي اللّه تعالى لأنه سبحانه قال :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ الأنعام : 164 ] ، وقال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
[ فصلت : 46 ] ،
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ،
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثر : 38 ] ،
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 14 / 2673 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 116 ) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ( 1 / 149 ) عن عروة .