تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
واستقراء الآيات وأسرها بهذا الأصل تجده كما ذكرت لك ، واحذر دواب هذا البحر فإنها مؤذية جدا ، فإن لم يكن لك بد من مثال محسوس ، وللّه المثل الأعلى ،
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
[ إبراهيم : 25 ] ، فأنت مثلا لو اعتبرت شخصين في مكانين مثلا متلاصقين محض التلاصق ، لاعتبرت بهما انقسام المكان ، فليس مكان كل واحد منهما مكان الآخر ، ولا بين المكانين فرق وتميز إلا بالشخصين ، وليس أحدهما متميزا عن الآخر بشيء آخر ، وبهما أو بأحدهما يتعين في المكان البعد ، والقبل والفوق ، والتحت ، واليمين ، والشمال ، وبارتفاع الشخصين أو الشخص ، يرتفع الانقسام والتعدد في المكان والجهات ، وباعتبارها ليس الفوق أسبق من جهة أخرى كذلك سائر الجهات ، ومثل ذلك اعتبار الزمان . قال الشاعر :
كهز الرديني ثم اضطرب وأنت لا * تشك أن زمان الهز هو زمان الاضطراب
وإنما جاء بثم ؛ لأن الهز متقدم الرتبة لا زمانا ، ولا مكانا ، ولا وسما ، ولا عددا ولكن باعتبار أنه لازم الهز لا غيره ، وكذلك علمه سبحانه بذاته لازم لذاته بغير سبق زمانه ، ولا مكانه ، ولا وهمي ، وكذلك سائر أسمائه وصفاته ، تعينها وتميزها هو الحدث الذي هو الكون المميز بين الذات والصفات ، وليست الذات أسبق من الصفات ، ولا الصفات أسبق من الذات ، ولا الذات والصفات أسبق من الحدث الذي هو كونها موصوفة بالصفات ، فإنه صفة منها ، وليست الصفات غيرها . وليس بين الحق والخلق زمان ، ولا انفكاك بمكان ولا توهم ذلك ، وإنما هو تقدم رتبة وتميز نسبة ، كما بينت لك من أن الذات من حيث أحديتها الذي هو اعتبارنا