للذات التي بها يتعلق العلم نسبة الحدوث بكونها عالمة ، وكونها عالمة متوقف على العلم والمعلوم ، فالحادث نسبة العلم إليها ، وحصول العلم بها لها في العلم ، وذلك حصوله لها فالقدم والوجوب صفة للذات من سبقها النسبي على العلم والمعلوم من حيث هما صفتها ومتعلقها ، والحدث صفة لهما من حيث هذا الوجه ، والقدم والوجوب صفة لهما من سبقهما النسبي عليها من حيث تسميتها عالمة ، فإنها لا تسمى عالمة إلا بهما ، والحدث صفة لهما من هذا الوجه الذي هو توقف تسميتها عالمة ، وهو حدث بالنسبة إلينا لا إليها ، وهو حدث ، وسبق ، وقدم ، وإمكان ، وكون بغير تغاير ذاتي ، ولا حدوث بعد عدم ، بل هو تغاير بالمراتب والنسب والأحكام والصفات لا بالذوات ، ولا قدمهم الزمان والمكان - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - فحقق تأول هذا تفهم ما جاء في وصف اللّه سبحانه في التنزيل العزيز ، وعلى ألسنة الرسل في غير آية وغير حديث ، واختلاف لفظ الجعل عليه سبحانه كقوله سبحانه :
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
[ النساء : 134 ] فإنه سبحانه سميع بصير لذاته بذاته ، كما أريتك في العلم ، وقد جاء في العلم ،
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
[ النساء : 17 ] ، والآيات في الكون كثيرة ، والحديث معروف : « كنت كنزا » « 1 » ، و « كنت سمعه الذي يسمعه به » « 2 » وكذلك الجعل ، قال سبحانه :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
[ البقرة : 224 ] ،
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
[ النحل : 91 ] ،
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 117 ] فمعني كون الشيء كذا اتصافه بتلك الصفة ، من تلك النسبة التي اقتضته أي نسبة كانت من ظهور ، أو بطون ، أو خالقية ، أو مخلوقية أو غير ذلك .
هامش
( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 132 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 20 / 158 ) .