لديهم والسكون ، قال تعالى :
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
[ الروم : 60 ] .
ولنلخض لك من هذه السطور مجمل طريق السلوك المعمور بإمداد الغفور الذي سار عليه أهل الطرائق العرفانية ، والوقائق العيانية الإحسانية ، لنتحقق بسرد ما حواه من أطوار حسن الاتّباع من الأتباع الأخيار ، ويستبيّن لك أن القوم الأطهار لم يفارقوا قدما للسيد المختار .
فنقول : اعلم أيّها الراغب سلوك طريق المواهب ، إن السير فيه سير باطني غير محسوس ، ويكون أولا بالمجاهدة في النفوس ، وقد درج أهل العبور في ميادينه ذات النور على تخريب العادات السيئة ، وتهذيب النفس بالرياضات والعبادات .
وأول ما يأمرون به المريد : التربية بالتخلية والتحلية ، وبعد أخذ العهد عليه أن لا يخالفهم فيما يدعونه من المبرّات إليه ، وأن يكون عندهم ؛ كالميّت بين يدي الغاسل ، يقّلبه كيف يشاء .
وهو مقبل على أمره غير كاسل يحضون على تصحيح العقيدة ؛ لتكون أعماله بعد صحتها مفيدة ، فإن من فسدت عقيدته والعياذ باللّه ؛ انطمست بصيرته ، وضلّ ، وتاه ، وكان بناؤه :
عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
[ التوبة : 109 ] ، وواه .
ويحثّونه على القيام بالأوامر الشرعية ، وترك النواهي التي للشارع مرعبة ، ثم بعد الاستقامة على الشريعة الغرّاء يأمره بالأخلاق المرضية سرّا وجهرا ، وبالذكر الجهري أولا ثم الخفي ثانيا ؛ ليتنوّر ضربه الظاهر والباطن ، ويشرق لبه وقلبه ، ويستنير من اللطائف المواطن .
وإذا رآه صادقا في الطلب ، راغبا في التأدّب أهل المشرب مقبلا بكله ، وكله متوهجا لربه ، بذله فارغا عن الشواغل والإغيار ، مملوءا بالمآثر الحميدة ، رافضا للأهل والديار ، بتوجه القلب على حسب الإمكان ، راجيا الفتح والإرشاد من الرحيم الرحمن .