الفصل الثالث في العلم
قد علمت أنه نسبة وحقيقة إضافية للذات عند الصوفية متحدة بها وجودا مغايرة لها مفهوما ، وكلامنا في هذا الفصل ليس إلا في كيفية حدوث هذه النسبة ، والإضافة بين المنتسبين والمتضافين ، أعني العالم والمعلوم وفي المعلومات هل هي موجودة أم لا ؟ وفي كونها كلية وجزئية .
فاعلم أولا : أن الوجود الذهني قال به جماعة كثيرة من أهل السنة ، ونفاه الجمهور منهم مع أن سياق كلام الجمهور في مواضع كثيرة يلجئهم إليه ، ويلزمهم القول به ، منها ما اختصوا به من بين الناس ، وهو أن الأمر يتعلق بالمعدوم حتى صرح بأن المعدوم مكلف .
وقد شدد سائر الطوائف النكير عليه ، وقالوا : إذا امتنع في النائم والغافل ففي المعدوم أجدر ، وليس لهم جواب إلا أن مرادنا هو التعلق العقلي ، وهو أن المعدوم الذي علم اللّه أنه يوجد بشرائط التكليف ، حكم عليه في الأزل بما يفهمه ويفعله فيما لا يزال ، وهل يصح الحكم على المعدوم المطلق ؟ فلا بد من نحو من أنحاء الوجود ، فإن شئت فسمه في حق الباري بالوجود العلمي ، وفي حق غيره بالذهني والعقلي ، ولا نعني بهذه العبارات إلا أن المعلوم مميز عند العالم به ، وهذا التمييز لا يصح أن يكون في العدم الصرف بديهة ، وكلام النظار في الوجود الذهني نفيا وإثباتا قد ذكر في كتبهم .
وإن علمت أن معلومات اللّه موجودة في علمه بوجود علمي أزلي ، وذلك حضرة الارتسام كما قال الشيخ صدر الدين رضى اللّه عنه في « فكوك الفصوص » : تعقل الماهيات في عرضه العلم الذاتي من حيث الامتياز النسبي .