هامش
- قيل لأبي القاسم الجنيد قدس اللّه روحه إن أبا يزيد يسرف في الكلام ، وقال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شأني » . فقال الجنيد :
إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه لذهوله في الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق تعالى فنعته ، فنطق به ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ولم يكن من شهوده إياه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ . قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا .
وأما ما حكي عنه قوله : « ضربت خيمتي بإزاء العرش » فإن صح عنه أنه قال ذلك فهذا غير مجهول أن الخلق كلهم والكون وجميع ما خلق اللّه تحت العرش ، أو بإزاء العرش يعني :
وجهت وجهي نحو ملك العرش ، ولا يوجد في العالم موضع إلا وهو بإزاء العرش ، فلا سبيل للمتعنت إلى هذا الطعن .
وأما ما حكي عنه أنه قال : « خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله » فقد تكلم الناس على مقالته هذه بأشياء على قدر أذواقهم ، ونذكر هنا ما قاله الشيخ الكبير أبو الحسن الشاذلي قدس اللّه روحه فإنه أقرب إلى أفهام الناس .
قال : إنما يشكو أبو يزيد بهذا الكلام ضعفه وعجزه عن اللحاق بالأنبياء عليهم السلام ، ومراده أن الأنبياء خاضوا بحر التوحيد ووقفوا من الجانب الآخر على ساحل الفرق يدعون الخلق إلى الخوض ، أي : فلو كنت كاملا لو قفت حيث وقفوا .
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه : وهذا الذي فسربه الشيخ كلام أبي يزيد هو اللائق بمقام أبي يزيد .
وقد قال : إن جميع ما أخذ الأولياء من ما أخذ الأنبياء كزق ملئ عسلا ، ثم رشحت منه رشاحة فما في باطن الزق للأنبياء وتلك الرشاحة هي للأولياء .
وقال : والمشهور عن أبي يزيد التعظيم لمراسم الشريعة ، والقيام بكمال الأدب .
وحكي عنه أنه وصف له رجل بالولاية فأتى إلى زيارته وقعد في المسجد ينتظره ، فجاء ذلك الرجل وتنخم في حائط المسجد فرجع أبو يزيد ولم يجتمع به ، وقال : هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة كيف يؤمن على أسرار اللّه ، وما جاء عن الأكابر أولي الاستقامة مع اللّه سبحانه من أقوال وأفعال يستنكر ظاهرها أوّلناها لهم لما علمناه من استقامتهم وحسن طريقتهم ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « ولا تظنّنّ بكلمة برزت من امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا » انتهى كلامه قدّس اللّه سرّه العزيز .
وأما قوله في بعض كلامه : رفعني وأقامني بين يديه ، يعني : أشهدني ذلك وأحضر قلبي لذلك ؛ لأن الخلق بين يدي اللّه سبحانه لا يذهب عليه منهم نفس ولا خاطر ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم له ، ويتفاوتون في صفائهم عجب من كدورة ما يحجب بينهم وبين ذلك من الأشغال القاطعة والخواطر المانعة ، واللّه تعالى أعلم . وأما قوله : قال لي وقلت له ، فإنه -