( فلذلك ) أي : فلعدم دفع الإيمان عند البأس الدنيوي إياه ( أخذ فرعون ) أي : تم أخذه الدنيوي ( مع وجود الإيمان منه ) ، لا لما قبل أنه لم يحتمل له الإيمان لوجوه :
الأول : أنه كان دهريّا لقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] و
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] ، فمثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية ، وهو إنما هو ظلمة ، وهو لم يقل آمنت باللّه ، وإنما قال :
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
[ يونس : 90 ] ، فكأنه اعترف أنه لا يعرف اللّه إلا أنه سمع بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده .
أجيب : بأن العلماء لم يفرقوا بين الدهري وغيره إذا آمن بالتقليد ، بل نقل الحليمي إجماعهم على قبول إيمانه بإقراره ، وتصديقه لمجرد وجود الصانع ، ونقله إمام الحرمين عن الأكثر ، وصححه البغوي ، ولا يسلم أن ظلمة هذا الاعتقاد لا تزول إلا بنور الحجة القطعية ، بل نور الكلمة ماحية لكل ظلمة كشفت أو لطفت ، ثم إنه ليس كل تقليد موجب ظلمة ، وإنما هو التقليد على الباطل ، وإلا لم يجب على العامة تقليد المجتهدين ، بل غايته فقد نور الدليل ، ثم إنه ليس هاهنا ثمة ظلمة التقليد إلى ظلمة إنكار الصانع ، إذ هذا التقليد في الإقرار بالصانع ، وهو ينقص إنكاره ، فغاية أحد ظلمة حقيقية مكان ظلمة كشفية بها نور كلمة التوحيد التي لا يبقي معها ظلمة أصلا ، وقولك : كافر اعترف أنه لا يعرف اللّه ، وإنما سمع بني إسرائيل أقروا بوجوده بخلاف الظاهر ؛ فإنه قد عرف هو وقومه صحة دلالة المعجزات ، فقد قال موسى عليه السّلام في حقه :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
[ الإسراء : 112 ] .
وقال تعالى في حقهم :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النمل : 14 ] .
الثاني : أن بني إسرائيل لما جاوزوا البحر قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] ، واشتغلوا بعبادة العجل ، فانصرف قول فرعون : إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل إلى ذلك ، وكان ذلك سببا لزيادة كفره .
أجيب : بأن ذلك إنما كان بعد هلاك فرعون ، ولا شعور له بذلك ، وقد علم أنهم آمنوا برب السماوات والأرض ، فكيف ينصرف إلى ذلك ؟ !
الثالث : أن أكثر اليهود مالوا إلى التجسيم والتشبيه ؛ ولذلك اشتغلوا بعبادة العجل ، وكان إيمانه بآلهتهم إيمانا بالإله الموصوف بالجسمية .
قلنا : إنما مال إلى التجسيم مبتدعهم بعد موسى كمبتدعة هذه الأمة ، أو بعد غيبته بإغواء السامري ، وإلا كانت نجاتهم من الغرق بسبب إيمانهم باللّه ، وهو إنما قصد ذلك