الظهور بعد ما لم يكن ظهوره عنه
( إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) ،
وفيه إشارة إلى أن ( الرحمن لا يأتي ) في هذا الذكر ( إلا بالرحمة ) لمن أقبل إليه بالإيمان ، ومن أعرض عنه ، فقد أعرض عن الرحمة ، ( ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ) ، فمقتضى هذا النص أن فرعون لما استقبل الرحمة بالإيمان أتته الرحمة من الرحمن بالنجاة كما أتت السحرة ، فصاروا في أعلى مراتب الشهداء .
[ وأمّا قوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
[ غافر : 85 ] إلّا قوم يونس ، فلم يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء :
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
[ يونس : 98 ] ، فأراد أنّ ذلك لا يدفع عنهم الأخذ في الدّنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ، هذا إن كان أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك السّاعة ، وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال أنّه عاين المؤمنين يمشون على الطّريق اليبس الّذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر ، فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذ آمن ، بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به ، فآمن بالّذي آمنت به بنو إسرائيل على التّيقّن بالنّجاة ، فكان كما تيقّن لكن على غير الصّورة الّتي أراد ، فنجّاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه ، ونجّا بدنه كما قال تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
[ يونس : 92 ] ، لأنّه لو غاب بصورته ربّما قال قومه احتجب ، فظهر بالصّورة المعهودة ميّتا ليعلم أنّه هو ؛ فقد عمته النّجاة حسّا ومعنى ] .
ثم استشعر سؤالا بأنه إنما يكون مستقبلا للرحمة لو آمن قبل الناس ، لكن كان إيمانه عند البأس ، فلا تنفعه بالنص ، فأجاب بقوله : ( وأما قوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ غافر : 85 ] ، فالمراد عدم نفعه في رفع ذلك البأس الدنيوي ، وإنما لا ينفع الإيمان في الآخرة إذا آمن عند رؤية البأس الأخروي ، وعندما يجعله ضروريّا لا لبس فيه بوجه من الوجوه كأشراط الساعة بدليل قوله تعالى بعده :
( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
[ غافر : 85 ] ) ، وعدم النفع الأخروي في الإيمان برؤية البأس الدنيوي لم تصر سنة خالية ، بل هي منتظرة في الاستقبال ، وبدليل قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
[ يونس : 98 ] ، فإنه أفهم أن إيمانهم نفعهم في دفع البأس الدنيوي ، ولم ينفع غيرهم فيه ، ( فلم يدل ذلك على أنه ) ، أي : إيمان سائر الطوائف عند البأس الدنيوي ( لا ينفعهم في الآخرة ) ، بل قد يفهم نفع الإيمان عند البأس الدنيوي فقط في الآخرة ؛ ( لقوله في الاستثناء :