السماوات .
[ فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل ، فحيّي كما تحيا النّفوس بالعلم من موت الجهل ، كما قال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
يعني بالجهل
وَجَعَلْنا
يعني : بالعلم
لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ
[ الأنعام : 122 ] وهو الهدى
كَمَنْ مَثَلُهُ
[ الأنعام :
122 ] ، وهي الضّلال
بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ
[ الأنعام : 122 ] أي : لا يهتدي أبدا :
فإنّ الأمر في نفسه لا غاية له يوقف عندها ، فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر حيرة ، والحيرة قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ، فلا موت ؛ ووجود ، فلا عدم ] .
وإذا كان إلقاء موسى في التابوت إشارة إلى إلقاء الروح في البدن ، وإلقاء التابوت في اليم إشارة إلى : إلقاء الروح بواسطة البدن في فنون العلوم المختلفة الموجبة لإنسانيته الكاملة المنجية من موت الجهل الجاهل إنسانيته محض الحيوانية ، ( فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ) ، إذ الأغلب غرق التابوت في البحر وتلف ما فيه ، ( وفي الباطن ) باعتبار كونه يشبه إلقاء الروح في البدن ، وإلقاؤه في بحر العلم ( كانت نجاة له من القتل ) ، أي : قتل قوم فرعون إياه الذي هو شبه قتل الجهل ، وقد كان هذا الباطن غالبا على أمه بالوحي الإلهي إليها ، فأثر في حقه فنجا من القتل ، ( فحيّي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل ) القاتل لإنسانيته ، وإن بقيت حيوانيته في شكل الإنسان ( كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً
يعني : بالجهل ،
فَأَحْيَيْناهُ
يعني : بالعلم ) أشار إلى منفعة العلم ومضرة الجهل ، بقوله :
( وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي )
في فنون العلم والأحوال والمقامات حتى يسري نوره
( فِي النَّاسِ ) ،
وذلك النور ( هو الهدى ) الذي به المشي فيما ذكرنا ،
( كَمَنْ مَثَلُهُ
[ الأنعام : 122 ] ) أي : صفته المعروفة التي يضرت بها المثل أنه مستقر راسخ
( فِي الظُّلُماتِ
وهي ) وجوه ( الضلال ) ، ومسمى وجوه الحياة المذمومة
( لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ،
أي : لا يهتدي أبدا ) .
بل كلما زيد في حقه بيان الهدى ، ازداد له اعتراض الشبه ، فالمهتدي لا ينتهي سيره فيما ذكرنا من العلوم والأحوال والمقامات ، والمقال لا تنتهي شبهه كما قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
[ التوبة : 125 ، 124 ] ، ( فإن الأمر في