نبوة ) ، والصغير في النبوة يجوز أن يكون خليفة للكبير فيها ، وإن كان راحما على الكبير فيها من حيث كونه صغيرا في السن .
( ولما كانت نبوة هارون ) التي هي غاية كماله ( من حضرة ) الرحموت كان الغالب عليه في أفعاله وأقواله ما يناسب ( الرحمة ؛ لذلك قال لأخيه موسى - عليهما السلام ) مع كونه أخاه من الأبوين ؛
( يَا بْنَ أُمَّ
[ طه : 94 ] ، فناداه بأمه ) أي : إضافة إلى أمه ( لا بأبيه ) ، وإن كان أرحم من سائر الناس ، ( إذ كانت الرحمة للأم دون الأب أوفر في الحكم ) ، فإن أثر الرحمة في الأم أظهر وأكثر مما في الأب ، ( ولولا تلك الرحمة ) الوافرة الأثر من الأم على الصغير ( ما صبرت على مباشرة التربية ) للصغير كما لا يصبر عليه الأب ؛ ولذلك جعلت الحضانة أولا للأمهات .
[ ثمّ قال :
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
[ طه : 94 ] ،
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ
[ الأعراف : 150 ] ؛ فهذا كلّه نفس من أنفاس الرّحمة . وسبب ذلك عدم التّثبّت في النّظر فيما كان في يديه من الألواح الّتي ألقاها من يديه ، فلو نظر فيها نظر تثبّت لوجد فيها الهدى والرّحمة ، فالهدى بيان ما وقع من الأمر الّذي أغضبه ممّا هو هارون بريء منه ، والرّحمة بأخيه ، فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره وأنّه أسنّ منه ، فكان ذلك من هارون شفقة على موسى لأنّ نبوّة هارون من رحمة اللّه ، فلا يصدر منه إلّا مثل هذا ] .
( ثم ) أي : بعد قوله :
يَا بْنَ أُمَّ
( قال :
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
[ طه : 94 ] ،
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ
[ الأعراف : 150 ] ) ، ولم يغضب عليه مع أنه فعل ذلك عن علمه ، ( فهذا ) القول وترك الغضب على موسى عليه السّلام ( كله نفس من أنفاس الرحمة ) المجتمعة تلك الأنفاس في هارون رحم بها موسى ؛ لئلا يزيد غضبه عن العجلة فيهلك ، وإن كان للّه ؛ لكونه بلا موجبة في الحقيقة ؛ وذلك لأن ( سبب ذلك ) الغضب والعجل من موسى ( عدم التثبت ) من الحيرة التي غلبت عليه من الغيرة في اللّه والغضب له عن عجلة ، فلم يثبت ( في النظر فيما كان ) أبلغ تثبت مع غاية قربه ، إذ كان ( في يديه من الألواح ) أي : ألواح التوراة ( التي ألقاها من يديه ) من عدم التثبت الموجب للحيرة الحاصلة من الغضب في اللّه ، والغيرة له إذ لا يتجرأ على مثل ذلك إلا عن الحيرة ، وإلا فهو معصوم ، وكذا ما فعل بأخيه .
( فلو نظر فيه نظر تثبت ) فيه إشارة إلى أن الحائر لا يفيده النظر ، وإن بالغ فيه ( لوجد فيه الهدى ) المنافي لإلقاء الألواح ، ولما فعل بأخيه ( والرحمة ) المنافية لما فعل بأخيه ( في الهدى ) الذي كان يجده لو ثبت في نظره فيه ( بيان ) سبب ( ما وقع من الأمر الذي