تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
صغير محل الرحمة ؛ لقوله عليه السّلام : « استقيموا ولن تحصوا » « 1 » ؛ ( لهذا أوصاه بما فيه سعادته ) ، كقوله تعالى :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ
في العبادة البدنية ،
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
،
وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
في السياسة المدنية ،
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
في المساعي الباطنية
إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ لقمان : 17 ] ،
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
في حقوق الصحبة ،
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
في كسر النفس ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
[ لقمان : 18 ] ،
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
في الأخذ بأوساط الأمور في الأخلاق ،
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
[ لقمان : 19 ] في كف الأذى عن الخلق إذا عمل بذلك ، فإن الحكمة العملية إنما تفيد السعادة بالعمل ، كما أن الحكمة النظرية تفيدها بالاعتقاد الصحيح الجازم . ثم أشار إلى ما هو أساس الحكمتين بحيث ينهدم بناؤهما بدون ذلك بقوله : ( وأما حكمة وصيته في نهيه إياه ) أي : ابنه عن الشرك ، إذ وصاه ( ألا تشرك باللّه ) كما قال تعالى :
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )
[ لقمان : 13 ] ، فهي الاحتراز عن الظلم العظيم ، فإن الشرك لظلم عظيم قائم بالاعتقاد الذي هو أصل الاعتقادات والأعمال بحيث لا يبقى شيء منها بدونه ، كمن أحسن طاعة سلطانه سنين ، ثم قصد قتله فلا يعدمه ما تقدم منه من طاعاته ، وكيف لا يعظم هذا الظلم ( والمظلوم المقام ) أي : ما به يقوم هذا المعتقد واعتقاده ، بل جميع الأكوان وهو اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأن الشرك إما للصور بأنفسها وهو باطل ؛ لأن المراد المشاركة في الإلهية والصور لا تقوم بذواتها ، فكيف يتصور لها الإلهية حتى تشارك فيها ، وبهذا بطل مشاركة الصورة للعين ، وإما بالعين التي في صورها وهو ظلم عظيم بالعين حيث وضعه في غير موضعه ، ( إذ نعته بالانقسام ) وهو يستلزم التركيب المحوج للأجزاء ، ( وهو عين واحدة ) لا تفتقر إلى شيء من الأجزاء ، ولا من غيرها في وجودها ، وتفتقر إليها الصور كلها والتركيب ينافي ذلك ، وإذا كان المقام عين واحدة ، فلو فرض فيها الشركة ؛ ( فإنه لا يشرك معه إلا عينه ، وهذا غاية الجهل ) يحكم به هذا الاعتقاد ، وعلى خلاف ما عليه الأمر فهو غاية الظلم في حق أعظم الأمور الذي به قوام الكل وافتقارهم إليه في كل الأمور . ( وسبب ذلك ) الجهل الموجب لهذا الظلم في الحكم المخل بقيومية من به قوام الكل ( أن الشخص الذي لا معرفة له بالأمر ) أي : بأمر الحق أنه الوجود المقوم لكل ما عداه من الموجودات ( ولا بحقيقة الأشياء ) ؛ لأنها لا وجود لها إلا من إشراق نور ذلك الوجود الحق
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه ( 1 / 101 ) .